قال رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com - منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، إن الذهب يشهد في هذه المرحلة واحدة من أكثر لحظاته حساسية على المستوى الاستثماري والاقتصادي، مع اقترابه من الحاجز النفسي البالغ 4800 دولار للأونصة، وهو مستوى لا يحمل فقط دلالة سعرية، بل يعكس تحولًا عميقًا في سلوك الأسواق العالمية تجاه المخاطر والملاذات الآمنة.
وأشار إلى أن هذا الصعود ليس مجرد رد فعل مؤقت على أحداث جيوسياسية عابرة، بل هو نتاج تلاقي عدة عوامل أساسية، في مقدمتها ضعف الدولار الأمريكي، وتراجع عوائد سندات الخزانة، وارتفاع مستوى القلق المرتبط بالتضخم العالمي والتوترات في الشرق الأوسط، وهذا المزيج يخلق بيئة مثالية لاستمرار الزخم الإيجابي للذهب على المدى القصير والمتوسط، خاصة إذا استمرت الأسواق في تسعير مخاطر اقتصادية أعلى خلال الربع الثاني من العام.
وتابع، العامل الأكثر تأثيرًا في الحركة الحالية ليس التوتر الجيوسياسي وحده، بل عودة الذهب إلى الارتباط الكلاسيكي بالمتغيرات الماكرو اقتصادية، وعلى رأسها العوائد الحقيقية، فعندما تنخفض عوائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات، تتراجع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، ما يعزز جاذبيته الاستثمارية، حيث عاد المستثمرون إلى تسعير الذهب بناءً على توقعات الفائدة والتضخم أكثر من اعتماده على الأخبار السياسية فقط. في تقديري، طالما بقي العائد الأمريكي تحت ضغط، فإن أي تراجعات في الذهب ستبقى فرصًا شرائية وليست إشارات انعكاس هبوطي حقيقي.
أما على صعيد الدولار الأمريكي، يرى أن ضعفه الحالي يمثل ركيزة أساسية لاستمرار الصعود، تراجع مؤشر الدولار إلى مستويات أقل من 99 نقطة يعكس قناعة متزايدة لدى الأسواق بأن الاقتصاد الأمريكي يتجه نحو تباطؤ أكثر وضوحًا، خصوصًا بعد صدور بيانات نمو أقل من المتوقع واستمرار تراجع بعض مؤشرات التضخم الأساسية.
وتابع، إذا جاءت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكية المقبلة أقل من التوقعات أو حتى ضمن النطاق المتوقع دون مفاجآت صعودية، فإن الدولار سيواصل فقدان الزخم، ما سيدفع الذهب إلى اختبار مستويات أعلى قد تمتد نحو 4850 وربما 4900 دولار أما في حال جاءت القراءة أعلى من المتوقع، فقد نشهد جني أرباح مؤقتًا، لكنه لن يغير الاتجاه العام الصاعد ما لم يترافق مع صعود قوي في العوائد.
ومن زاوية جيوسياسية، أشار إلى أن الأسواق ما زالت تسعر مخاطر مرتفعة للغاية، رغم الحديث عن محادثات وهدن مؤقتة في المنطقة، استمرار اضطرابات مضيق هرمز، وتباطؤ حركة السفن، وتذبذب أسواق الطاقة، كلها عناصر تعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن.
كما أكد على أن المستثمر المؤسسي لا ينظر إلى الهدنة كحل نهائي، بل يتعامل معها كمرحلة مؤقتة قابلة للانهيار في أي وقت، وهو ما يفسر استمرار الطلب القوي على المعدن الأصفر، لذلك تبقى علاوة المخاطر الجيوسياسية مضافة إلى سعر الذهب خلال الأيام القادمة، خاصة مع ترقب أي تطورات مفاجئة في ملف إيران ولبنان.
وكشف أن العامل الحاسم في تحديد المسار القادم سيكون بيانات التضخم الأمريكية وتوقعات التضخم الصادرة عن جامعة ميشيغان، إذا أكدت البيانات أن التضخم لا يزال تحت السيطرة أو أقل من المخاوف السائدة، فإن الأسواق ستعود لتسعير احتمالات خفض الفائدة بوتيرة أكبر، وهو سيناريو أراه داعمًا بقوة للذهب، أما إذا ظهر تسارع جديد في التضخم، فقد نشهد تذبذبًا حادًا وربما ضغطًا هبوطيًا قصير الأجل، لكنه في رأيي سيبقى محدودًا ما دام النمو الاقتصادي الأمريكي يفقد زخمه. السوق الآن لا يراقب الرقم فقط، بل يقرأ ما وراء الرقم: هل يستطيع الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي سيحدد اتجاه الذهب.
وأكد على أن مستوى 4800 دولار يمثل نقطة فاصلة نفسيًا وفنيًا في آن واحد. الإغلاق اليومي والثبات فوق هذا الحاجز سيعطي إشارة قوية على انتقال الذهب إلى موجة تسعير جديدة قد تستهدف 4850 ثم 4975 دولارًا، وربما الاقتراب من 5000 دولار في حال جاءت البيانات الاقتصادية داعمة، أما في حال فشل السعر في اختراق هذا المستوى، فقد نشهد عودة لاختبار منطقة 4700–4745 دولار، والتي أعتبرها منطقة دعم استراتيجية ومرشحًا قويًا لعودة المشترين.
وتوقع أن الاتجاه الأساسي للذهب ما زال صاعدًا بامتياز، مدعومًا بعوامل اقتصادية وهيكلية تتجاوز مجرد ردود الفعل اللحظية. ضعف الدولار، انخفاض العوائد، هشاشة النمو الأمريكي، والتوترات الجيوسياسية، كلها عناصر ترجح استمرار الصعود، مشيراً إلى أن الذهب سيظل متماسكًا فوق 4700 دولار، مع احتمالية كبيرة لاختبار 4850–4900 دولار خلال المدى القريب، بينما يبقى مستوى 5000 دولار هدفًا واقعيًا إذا دعمت بيانات التضخم هذا السيناريو.