تتزايد المخاوف في الأسواق العالمية من تحوّل أسعار الطاقة إلى عامل ضغط رئيسي على النمو الاقتصادي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، واحتمالات تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.
وحسب تحليل نشرته صحيفة Financial Times، فإن الارتفاع الحاد في أسعار النفط ليس موجة تضخمية عابرة، بل يهدد مباشرة النمو الاقتصادي، عبر تقليص القدرة الشرائية للمستهلكين، وزيادة الضغوط على الشركات وسوق العمل.
ورغم أن بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.3%، وهو أعلى مستوى في نحو عامين، فإن التحليل يرى أن هذا النوع من التضخم –الناتج عن الطاقة– يختلف عن غيره، إذ لا يمكن للسياسات النقدية التقليدية احتواؤه بسهولة.
ويذكر التقرير أن رفع أسعار الفائدة لن يسهم في خفض أسعار النفط، طالما استمرت العوامل الجيوسياسية في التأثير على الإمدادات، ما يضع البنك المركزي الفيدرالي أمام معادلة صعبة؛ وهي الإبقاء على الفائدة دون تغيير، مع مراقبة توقعات التضخم على المدى الطويل بدلًا من الاستجابة الفورية لصدمة الطاقة.
سلسلة التأثير.. من المستهلك إلى البطالة
التهديد الحقيقي، وفق التحليل، لا يكمن في التضخم ذاته، بل في تأثيره الممتد على النمو، فارتفاع أسعار الطاقة يعمل كـ"ضريبة غير مباشرة" على المستهلكين، خاصة من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض.
ويخلق ذلك سلسلة من التداعيات الاقتصادية تبدأ بتراجع الإنفاق الاستهلاكي خارج قطاع الطاقة، ثم تضغط على هوامش أرباح الشركات، ما يدفعها إلى خفض التكاليف عبر تسريح العمالة، لتدخل الأسواق في حلقة تباطؤ قد تتفاقم بمرور الوقت.
ورغم أن هذا السيناريو ليس هو التوقع الأساسي حتى الآن، فإن بعض المؤشرات تدق ناقوس الخطر، أبرزها تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي إلى نحو 0.5%، وتسجيل ثقة المستهلك أدنى مستوياتها تاريخيًا.
الفائدة.. خفض "سيئ" للأسواق
وحذر التقرير من أن أي خفض محتمل لأسعار الفائدة لن يكون إيجابيًا للأسواق كما في السابق، إذ سيعكس على الأرجح تدهورًا في سوق العمل وارتفاع البطالة، وليس تحسنًا في معدلات التضخم.
وبالتالي، فإن السيناريو الذي قد يدفع البنوك المركزية للتيسير النقدي هو نفسه السيناريو الذي تكرهه الأسواق: تباطؤ اقتصادي حاد.
وعلى صعيد الأسواق المالية، يطرح التقرير إشكالية متزايدة تتعلق بفعالية تنويع المحافظ الاستثمارية، خاصة بعد أداء ضعيف متزامن لكل من الأسهم والسندات خلال فترات التوتر الأخيرة.
ويشير إلى أن بعض البدائل المطروحة –مثل الائتمان الخاص أو الصناديق المحوطة أو حتى العملات الرقمية– لا تقدم تحوطًا حقيقيًا، لارتباطها المرتفع بحركة الأسهم، فعلى سبيل المثال، تُظهر عملة بتكوين سلوكًا أقرب إلى الأصول عالية المخاطر، ما يجعل استخدامها كأداة تنويع محل شك كبير.