تكشف بيانات وزارة الزراعة الأمريكية للتوقعات الزراعية عن مفارقة صارخة، ففي حين نما الاستهلاك العالمي الكلي للألياف النسيجية من 337 مليون بالة عام 2007 إلى 520 مليون في 2024، أي بزيادة 54%، لم يستفد القطن من هذا النمو الهائل إلا بشكل هزيل، إذ يُقدَّر الاستهلاك العالمي للقطن في 2025/26 بنحو 118.7 مليون بالة، أي أقل من مستواه في 2007/08 حين تجاوز 120 مليون بالة.
وفي المقابل، تضاعف استهلاك الألياف الاصطناعية (معظمها بوليستر) تقريبًا من 215 إلى 420 مليون بالة-مكافئة خلال الفترة ذاتها.
وهكذا انخفضت حصة القطن من استهلاك الألياف النسيجية العالمية من أكثر من 50% في السبعينيات إلى ما دون 22% في السنوات الأخيرة.
وتُعزو هذه الهزيمة التدريجية للقطن إلى معادلة سعرية تغيّرت جذريًا منذ الأزمة المالية العالمية 2007/08.
فحتى ذلك الحين، كانت أسعار القطن والبوليستر متقاربة بنسبة تبادل متوسطها 0.96، وكانت المنافسة متكافئة.
غير أن هذه النسبة تصاعدت إلى 1.92 عام 2011 حين بلغ القطن ذروته السعرية، ولم تنخفض منذ ذلك الحين إلى مستويات ما قبل 2007؛ إذ بلغ متوسطها 1.70 خلال الفترة الممتدة من 2007 حتى اليوم، بأعلى نقطة 2.34 عام 2022.
وبهذه الميزة السعرية الراسخة لصالح الألياف الاصطناعية، وما تتمتع به من مرونة تصنيعية وتنوع في التطبيقات، أصبح البوليستر الخيار الأول لمصنعي المنسوجات في غياب تفضيل مستهلك واضح لمنتجات القطن الطبيعية.
وتتجلى حدة هذه المشكلة بصفة خاصة في الدول النامية حيث تراجع استهلاك القطن من 60 مليون بالة عام 2007 إلى 47 مليون عام 2024، بينما ضاعف العالم النامي استهلاكه من الألياف غير القطنية أكثر من مرتين خلال الحقبة ذاتها.
وعلى الصعيد الأمريكي، تتجلى الأزمة بوضوح: إذ يُتوقع أن يصل استخدام القطن في المصانع الأمريكية إلى أدنى مستوى له منذ 145 عامًا في 2025/26 عند 1.6 مليون بالة، رغم النمو الاقتصادي.
وتبلغ نسبة استخدام المصانع الأمريكية المحلية 12% فحسب من إجمالي الطلب الأمريكي على القطن في 2026/27، فيما تذهب النسبة الباقية للتصدير خامًا.