في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، تتزايد الدعوات لإعادة النظر في سياسات دعم الأسمدة وآليات توزيعها، بما يحقق توازناً بين رفع كفاءة الإنتاج الزراعي وتقليل الأعباء المالية على المزارعين، خاصة في المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح.
أكد الدكتور محمد يوسف، خبير الزراعة الحيوية بجامعة الزقازيق، أن مصر لا تعاني من أزمة حقيقية في الأسمدة الأزوتية، بل على العكس تعد من الدول المصدرة، حيث تحتل المركز الخامس عالميًا في تصدير اليوريا، وهو ما يعكس قوة القطاع الإنتاجي في هذا المجال.
وأوضح يوسف أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في نقص الإنتاج، وإنما في اضطراب السوق الحر وظهور السوق السوداء، مشيرًا إلى أن هذا هو العامل الأساسي وراء الارتفاعات الكبيرة في الأسعار داخل السوق المحلي، رغم توافر الأسمدة المدعمة بشكل منظم عبر الجمعيات الزراعية.
وأشار إلى أن سعر طن اليوريا أو النترات في السوق الحر وصل إلى نحو 28 ألف جنيه، في حين يبلغ سعر الشيكارة المدعمة داخل الجمعيات حوالي 292 جنيهًا، لكنه يرتفع في السوق غير الرسمية ليصل إلى نحو 1400 جنيه، وهو ما يعكس فجوة سعرية كبيرة بين النظامين الرسمي وغير الرسمي.
وأضاف أن الدولة توفر طن الأسمدة المدعمة بنحو 6000 جنيه تقريبًا، بينما يتم تصديره للخارج بسعر يصل إلى 47 ألف جنيه للطن، مؤكدًا أنه رغم هذا التفاوت، فإن مصر لا تواجه أزمة نقص في الأسمدة، ولكن التحدي يكمن في ضبط آليات التداول داخل السوق المحلي.
وشدد خبير الزراعة الحيوية على أن الأسمدة تمثل حجر الأساس في منظومة الإنتاج الزراعي، وأي خلل في توافرها أو توزيعها يؤدي بشكل مباشر إلى تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار، ليس محليًا فقط بل على المستويات الإقليمية والعالمية أيضًا، موضحًا أن الأسمدة أصبحت أداة ذات بعد جيوسياسي لا تقل أهمية عن النفط والغاز.
وأضاف أن الدولة المصرية تواصل دعم المزارعين بشكل كبير، من خلال توفير التقاوي المعتمدة والأسمدة المدعمة، حيث تتحمل ما يقرب من 70 مليار جنيه سنويًا لدعم هذا القطاع الحيوي.
ولفت إلى أن نحو 75% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية ترتبط بأسعار الطاقة، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الغاز أو الوقود ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج، وبالتالي على الأسعار النهائية للأسمدة في السوق.
وأشار إلى أن الأزمات العالمية، مثل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في بعض مناطق الشرق الأوسط، أثرت على أسواق الطاقة عالميًا، كما أن إغلاق بعض الممرات الملاحية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز أدى إلى اضطراب في سلاسل الإمداد، باعتباره يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ونسب كبيرة من صادرات الأسمدة.
وأوضح أن نحو 50% من إنتاج الأسمدة الكيماوية في بعض المناطق يمر عبر هذا المضيق، وهو ما انعكس على 30% من تجارة اليوريا و20% من النترات، إلى جانب تأثيرات على بعض مدخلات الإنتاج الزراعي الأخرى.
وأكد أن مصر لا تعتمد على استيراد الأسمدة من دول الخليج، وبالتالي فإن تأثير تلك الاضطرابات محدود على السوق المحلي من ناحية التوريد، لكن التأثير يظهر بشكل أكبر في الصادرات الزراعية، سواء الطازجة أو المصنعة، خاصة في الأسواق الخليجية باستثناء المملكة العربية السعودية.
وفيما يتعلق بحجم الاستهلاك المحلي، أوضح أن مصر تستهلك نحو 8 ملايين طن من الأسمدة النيتروجينية سنويًا، منها 4 ملايين طن مدعمة و4 ملايين طن في السوق الحر، مشيرًا إلى وجود بروتوكول تعاون مع المصانع المنتجة للأسمدة يلتزم بتوريد 55% من إنتاجها لوزارة الزراعة، بما يضمن تلبية احتياجات السوق المحلي ودعم الفلاح المصري.