تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري المقرر في 21 مايو، وسط توقعات واسعة بأن يتجه البنك إلى تثبيت أسعار الفائدة للمرة الثانية على التوالي، بعد دورة تيسير نقدي كبيرة خفض خلالها أسعار العائد بإجمالي 825 نقطة أساس منذ بداية 2025.
ويأتي الاجتماع في توقيت شديد الحساسية، تتداخل فيه عدة عوامل متعارضة؛ فمن ناحية بدأ التضخم يتراجع تدريجيًا، ومن ناحية أخرى لا تزال الضغوط الجيوسياسية العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وضعف النشاط الاقتصادي المحلي، تفرض حالة من الحذر على صانع السياسة النقدية.
لماذا أصبح التثبيت هو السيناريو الأقرب؟
رغم التراجع النسبي في معدلات التضخم خلال أبريل، فإن البنك المركزي لا يبدو متعجلًا لاستئناف خفض الفائدة، خاصة أن التراجع جاء محدودًا، إذ سجل التضخم السنوي في المدن 14.9% مقابل 15.2% في مارس، وهو ما يعكس تباطؤ الضغوط السعرية دون اختفائها.
كما أن البنك المركزي يدرك أن جزءًا كبيرًا من موجة التضخم الحالية لا يرتبط فقط بالطلب المحلي، بل بعوامل خارجية يصعب السيطرة عليها، في مقدمتها تداعيات الحرب الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة والسلع عالميًا.
هذه التطورات دفعت المركزي بالفعل خلال اجتماعه السابق إلى تعليق دورة التيسير النقدي، مفضلًا تبني سياسة “الترقب والحذر” لحين اتضاح اتجاهات الأسواق والتضخم بصورة أكبر.
التضخم يتراجع.. لكن المخاطر لم تختفي
معدلات التضخم الأخيرة منحت البنك المركزي مساحة لالتقاط الأنفاس، لكنها لم تمنحه بعد الثقة الكاملة في استدامة المسار النزولي للأسعار، فالحكومة طبقت خلال الأشهر الماضية زيادات في أسعار المحروقات إلى جانب حزمة اجتماعية جديدة، وهي إجراءات تحمل بطبيعتها آثارًا تضخمية قد تظهر تدريجيًا خلال النصف الثاني من العام.
كما رفع البنك المركزي نفسه توقعاته للتضخم إلى متوسط يتراوح بين 16% و17% خلال الفترة المقبلة، مقارنة بتقديرات سابقة أقل بكثير، في إشارة واضحة إلى أن معركة السيطرة على الأسعار لم تُحسم بعد.
ولهذا يبدو البنك المركزي حريصًا على تجنب أي خفض جديد للفائدة قد يعيد تنشيط الضغوط التضخمية أو يؤثر على جاذبية أدوات الدين المحلية في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من التقلب وعدم اليقين.
الحرب والتوترات العالمية تعقد المشهد
العامل الأكثر تأثيرًا في حسابات السياسة النقدية حاليًا يتمثل في التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، والتي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق المال والطاقة.
فأي ارتفاع جديد في أسعار النفط أو اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية قد ينعكس سريعًا على الاقتصاد المصري، سواء عبر تكلفة الواردات أو الضغوط على سعر الصرف أو ارتفاع فاتورة الدعم والطاقة.
لذلك يفضل المركزي المصري الإبقاء على مستويات فائدة مرتفعة نسبيًا كأداة دفاعية للحفاظ على استقرار السوق النقدية وجاذبية الجنيه، خصوصًا في ظل حساسية الأسواق الناشئة تجاه تحركات رؤوس الأموال العالمية.
تباطؤ الاقتصاد يضع ضغوطًا معاكسة
في المقابل، يواجه البنك المركزي تحديًا آخر لا يقل أهمية، وهو تباطؤ النشاط الاقتصادي المحلي، فمؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي هبط إلى 46.6 نقطة خلال أبريل، ليسجل أحد أضعف المستويات منذ سنوات، بما يعكس استمرار انكماش نشاط القطاع الخاص وتراجع الطلب المحلي.
كما تعاني الشركات من ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والمواد الخام، في وقت أصبحت فيه القدرة الشرائية للمستهلكين أضعف، ما قلص قدرة الشركات على تمرير زيادات الأسعار.
هذا الوضع يضع البنك المركزي أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فرفع الفائدة قد يزيد الضغط على الاقتصاد والاستثمار، بينما قد يؤدي خفضها مبكرًا إلى عودة التضخم بقوة.
ماذا يعني تثبيت الفائدة؟
إذا اتجه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة، فسيكون ذلك بمثابة رسالة مزدوجة للأسواق، مفاداها بأن معركة التضخم لم تنتهي بعد، وأن المركزي يفضل الحفاظ على الاستقرار النقدي بدلًا من المخاطرة بخفض جديد للفائدة في بيئة عالمية غير مستقرة، كما يمنح التثبيت البنك المركزي فرصة لمراقبة تأثير التطورات الجيوسياسية وقرارات الحكومة الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، قبل اتخاذ أي خطوة جديدة.
هل انتهت دورة التيسير النقدي؟
حتى الآن، لا تبدو دورة خفض الفائدة قد انتهت بالكامل، لكن المؤكد أن وتيرتها أصبحت أبطأ وأكثر حذرًا، وتشير التوقعات إلى أن البنك المركزي قد يفضل تأجيل أي خفض جديد إلى حين ظهور إشارات أكثر وضوحًا بشأن اتجاه التضخم، واستقرار الأسواق العالمية، وتطورات الحرب وأسعار الطاقة، ووضع سعر الصرف والتدفقات الأجنبية.
وبالتالي، فإن اجتماع مايو قد لا يحمل قرارات مفاجئة، لكنه سيكون مؤشرًا مهمًا على كيفية موازنة البنك المركزي بين دعم الاقتصاد والحفاظ على استقرار الأسعار في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا للاقتصاد العالمي والمحلي.