الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
استثمار استثمار

الاستثمار الأجنبي في مصر.. تدفقات متصاعدة تعكس تحوّل الثقة في الاقتصاد

تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في مسار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مدفوعًا بحزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية والنقدية والتشريعية، إلى جانب توسع الدولة في مشروعات البنية التحتية وتحسين بيئة الأعمال، وهو ما انعكس بصورة واضحة على مؤشرات الاستثمار وتزايد اهتمام المؤسسات والشركات الدولية بالسوق المصرية.

ووفق أحدث بيانات ميزان المدفوعات الصادرة عن البنك المركزي المصري، ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 إلى نحو 9.3 مليار دولار، مقابل نحو 6 مليارات دولار خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق، بمعدل نمو تجاوز 55%، بما يعكس استمرار تحسن جاذبية الاقتصاد المصري للاستثمارات طويلة الأجل.

ويأتي هذا الأداء امتدادًا لمسار تصاعدي شهدته تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال الأعوام الماضية، إذ ارتفعت من 9.7 مليار دولار في العام المالي 2022/2023 إلى 12.1 مليار دولار في 2023/2024، ثم إلى 13.5 مليار دولار خلال 2024/2025، في حين تستهدف الحكومة وصول التدفقات إلى ما يتراوح بين 15.6 و16.1 مليار دولار بنهاية العام المالي الجاري.

وتشير هذه التطورات إلى تحول تدريجي في نظرة المستثمرين الأجانب تجاه الاقتصاد المصري، خاصة بعد الإجراءات المرتبطة بتحرير سوق الصرف، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتنفيذ إصلاحات تنظيمية هدفت إلى تسهيل إجراءات الاستثمار وتقليص المدد الزمنية الخاصة بالحصول على التراخيص والموافقات.

والجراف الآتي حجم الاستثمار الأجنبي في مصر:

تنوع جغرافي في مصادر الاستثمار

وتكشف بيانات الاستثمار عن تنوع ملحوظ في الدول المستثمرة داخل السوق المصرية، وهو ما يُعد مؤشرًا إيجابيًا على اتساع قاعدة الثقة الدولية في الاقتصاد المحلي.

وتصدرت الإمارات العربية المتحدة قائمة أكبر المستثمرين الأجانب في مصر، بصافي استثمارات بلغ نحو 2.96 مليار دولار، تلتها الولايات المتحدة باستثمارات بلغت 1.68 مليار دولار، ثم المملكة المتحدة بنحو 1.23 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات متزايدة من المملكة العربية السعودية وقطر والكويت في قطاعات متعددة.

وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الأخيرة اتفاقيات واستثمارات خليجية واسعة النطاق، شملت قطاعات السياحة والعقارات والطاقة والصناعة، بما يعكس تنامي الاهتمام الإقليمي بالسوق المصرية باعتبارها مركزًا استثماريًا واعدًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

والجراف الآتي يوضح الاستثمار الأجنبي في مصر:

«رأس الحكمة» نقطة تحول رئيسية

وتُعد صفقة تطوير منطقة «رأس الحكمة» بالساحل الشمالي واحدة من أبرز الصفقات الاستثمارية في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث، نظرًا لحجمها وتأثيرها المباشر على التدفقات الدولارية وثقة الأسواق.

وشملت الاتفاقية استثمارات مباشرة ضخمة ضمن مشروع تنموي متكامل يستهدف تطوير المنطقة على مراحل متعددة، وهو ما اعتبرته مؤسسات مالية دولية مؤشرًا على قدرة الاقتصاد المصري على جذب استثمارات طويلة الأجل رغم التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية.

كما ساهمت الصفقة في تعزيز السيولة الدولارية داخل السوق المحلية، ودعم استقرار سوق الصرف، إلى جانب تحسين النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري لدى عدد من المؤسسات الدولية.

قطاعات جاذبة لرؤوس الأموال

وتواصل قطاعات الطاقة والنفط والغاز تصدرها لقائمة القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمار الأجنبي، مدفوعة بالاكتشافات الجديدة والتوسع في مشروعات الطاقة التقليدية والمتجددة، خاصة مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة.

تشهد قطاعات العقارات والسياحة والبنية التحتية توسعًا ملحوظًا في حجم الاستثمارات، مدعومة بتنفيذ مشروعات قومية كبرى على البحر الأحمر والساحل الشمالي، إضافة إلى تنامي الاهتمام بالمناطق الاقتصادية الخاصة والمراكز اللوجستية.

كما بدأت قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والصناعات الدوائية والإلكترونية في جذب اهتمام متزايد من الشركات متعددة الجنسيات، في ظل توجه الدولة لتعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات الصناعية.

والجراف الآتي يوضح الإنفاق الحكومي في مصر:

إصلاحات اقتصادية داعمة

ويرى مراقبون أن التحسن الحالي في تدفقات الاستثمار يرتبط بصورة مباشرة بالإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة خلال العامين الماضيين، والتي شملت تعديلات تشريعية وتنظيمية لتحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع نطاق «الرخصة الذهبية»، وتفعيل نظام الموافقة الواحدة للمشروعات الاستثمارية.

كما ساهمت سياسات ضبط سوق النقد الأجنبي وتوحيد سعر الصرف في تقليص حالة عدم اليقين التي كانت تمثل أحد أبرز التحديات أمام المستثمرين الأجانب خلال الفترات السابقة.

وفي الوقت ذاته، تواصل الحكومة التوسع في خطط زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، مع استهداف رفع نسبة استثمارات القطاع الخاص إلى أكثر من 60% من إجمالي الاستثمارات خلال السنوات المقبلة.

مستهدفات طموحة حتى 2030

وتتبنى الدولة خطة تستهدف رفع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 60 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030، ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة مساهمة الاستثمارات الخاصة والإنتاج الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي.

ورغم أن هذا الرقم يُعد طموحًا مقارنة بالمستويات الحالية، فإن مؤسسات دولية، من بينها وكالة «فيتش»، ترى أن تحقيقه يظل ممكنًا حال استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتحسن بيئة الأعمال والحفاظ على استقرار السياسات النقدية والمالية.

ويستند هذا الطموح إلى عدد من المقومات، أبرزها الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر، واتساع السوق المحلية، وتطور البنية التحتية، إلى جانب اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المستثمرين إمكانية النفاذ إلى أسواق إقليمية ودولية واسعة.