أكدت الدكتورة نيفين نخلة، مؤسس الجوندي تريدينج الشركة التي تمثل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية في مصر، في حوار خاص لـ"عالم المال"، أن عام 2026 يمثل البداية الفعلية لمرحلة التطبيق الكامل وجني الثمار لاتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA، مشيرة إلى أن الاتفاقية ستنجح في تحرير 90% من منتجات 54 دولة إفريقية من الجمارك تمامًا بحلول 2030، مما يفتح سوقًا موحدة تضم 1.4 مليار مواطن.
وإلى نص الحوار..
في البداية.. نود التعرف على طبيعة نشاط الشركة ودوركم في تمثيل اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية؟
شركة الجوندي تريدينج تم ترشيحها منذ عام 2023 بالنيابة عن مصر لتمثيل اتفاقية التجارة الإفريقية الحرة، ومفهوم تمثيل الاتفاقية يستهدف في الأساس تحويل إفريقيا إلى سوق موحدة، بحيث نصبح كتلة واحدة تتاجر معًا دون جمارك على غرار الاتحاد الأوروبي، ويشمل ذلك كافة السلع المنتجة وكل المواد الخام الموجودة في القارة السمراء.
في ظل التوترات الجيوسياسية.. كيف ترين واقع العلاقات الاقتصادية بين مصر والدول الإفريقية اليوم من خلال عملكِ المباشر مع الأسواق والشركات؟
بالنظر إلى الواقع الحالي نجد أن هناك مشاكل واضطرابات اقتصادية وحروبًا وقلقًا كبيرًا يجتاح العالم كله، ولذلك تحرك الاتحاد الإفريقي منذ عام 2021 وكون وبدأ فعليًا بمبادرة التجارة الموجهة وهي اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA، هذه الاتفاقية نجحت في تجميع 54 دولة إفريقية كانت متفرقة ومشتتة اقتصاديًا لتضم تحت مظلتها 1.4 مليار مواطن باقتصاد مجمع ضخم جدًا، وما حدث خلال الفترة من عام 2021 وحتى عام 2025 هو إنجاز كبير، حيث أصبحت 90% من منتجات الدول في مرحلة "أ" يتم التبادل التجاري بينها بدون أي جمارك منذ يناير 2025، والدول في مرحلة "ب" سيتم التبادل التجاري بينها أيضًا بدون أي جمارك في 2030.
ما الآليات المتبعة تحت مظلة الاتفاقية لضمان التزام الدول وحل أي عوائق تجارية قد تظهر على الأرض؟
تحت المنظومة لضمان قوة الاتحاد والاقتصاد المجمع، قامت سكرتارية القارة الإفريقية بتدشين منظومة إلكترونية متطورة جدًا لمواجهة العوائق غير الجمركية، هذه المنظومة مخصصة لاستقبال الشكاوى، فمثلًا إذا أصدرنا شهادة منشأ تحت مظلة اتفاقية التجارة الحرة وقامت الدولة المستقبلة برفض إزالة الجمارك عن هذا المنتج، يتم رفع شكوى فورية عبر هذه المنظومة الإلكترونية، ويجري الرد عليها وحسمها بالتنسيق مع وزارة التجارة لتلك الدولة في غضون 24 ساعة فقط.
كيف انعكست هذه المزايا والحوكمة التجارية على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى داخل الدولة المصرية؟
لقد رأينا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العالم أن هناك دولًا كثيرة جدًا من خارج القارة الإفريقية بدأت تتجه وتتدفق نحو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لفتح وتأسيس مصانعها لدينا في مصر، وهؤلاء المستثمرون يعلمون تمامًا أنه بموجب اتفاقية التجارة الإفريقية الحرة فإن أسواق 53 دولة إفريقية أخرى مفتوحة أمامهم للتصدير دون جمارك وبشهادة منشأ معتمدة تحت مظلة الاتفاقية، هذا الأمر خلق لمصر ميزة تنافسية وجذبًا هائلًا للاستثمار الأجنبي.
رغم أن الاتفاقية تستهدف سوقًا واحدة، إلا أن الأرقام تشير إلى أن نسبة التجارة البينية داخل القارة لا تزال منخفضة، ومن منظوركِ.. ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في هذا التباطؤ حتى الآن؟
التباطؤ حتى الآن يعود إلى السياسات ووضع المنظومة والحصول على الموافقات، ومن واقع مشاركتي وحضوري لاجتماعات وزراء التجارة الأفارقة لأكثر من مرة بصفتي ممثلة للاتفاقية في مصر، وحضور الاجتماعات التشاورية التي يتم الاتفاق فيها على خفض التعرفة الجمركية لبعض المنتجات، رأيت مدى صعوبة تجميع هذا الكم من الدول بكل سياساتها المختلفة، كما أننا يجب ألا نغفل أن هناك دولًا إفريقية اقتصادياتها ضعيفة ويكون كل دخلها القومي قائمًا ومستندًا على الجمارك والضرائب، وبالتالي عندما تأتين لتقولي لهذه الدول إنها ستتخلى عن الجمارك والضرائب فإن المفاوضات والتشاورات والموافقات تكون صعبة للغاية وليست بالأمر السهل، وإذا نظرنا إلى تجربة الاتحاد الأوروبي فقد استغرق سنوات طويلة جدًا، لذلك عندما نتحدث عن نجاح قارة إفريقيا في تحقيق هذا التقدم خلال 4 أو 5 سنوات فإن هذا يعتبر معجزة وإنجازًا سريعًا جدًا، واليوم في عام 2026 نحن بدأنا بالفعل في مرحلة التطبيق الكامل وبدأنا في جني الثمار والاتحاد الفعلي لعمل سوق موحد وسنرى نتائج ملموسة وكبيرة جدًا جاري تنفيذها على الأرض.
ما أبرز الآليات المالية المطبقة حاليًا لتسهيل هذا التكامل التجاري وحل أزمة توفير العملة الصعبة؟
هناك نظام مالي هام جدًا يتم تطبيقه حاليًا يُدعى نظام الدفع والتسوية الإفريقية PAPSS، هذا النظام يتيح لـ54 دولة إفريقية التبادل التجاري فيما بينها بالعملة لكل دولة، ويقوم على تشغيله البنك الإفريقي بموجب اتفاقية خاصة مع البنوك المركزية للدول الإفريقية، وهناك 49 دولة دخلت بالفعل ووقعت رسميًا في هذه المنظومة، ولكن بالتأكيد هذه المنظومة ليست سهلة لأن هناك دولًا تكون دائمًا في حالة ترقب وانتظار لتحصيل الدولار وإقناعهم يتطلب وقتًا، ولكن هذا النظام سيحدث فارقًا جوهريًا في القوة الاقتصادية لقارتنا الإفريقية.
كيف يواجه الاتحاد الإفريقي مخاوف بعض الدول من خسارة مواردها الجمركية الفورية نتيجة لهذا التحول؟
البنك الإفريقي يتيح حاليًا ما يسمى بـ"صندوق التسوية"، وهو يقدم قرضًا أو منحة للدول التي قد تفقد جزءًا من دخلها المعتمد على الجمارك والضرائب جراء تطبيق الاتفاقية، إذ يتم تعويضهم عن هذه الخسائر بطريقة تدريجية ومدروسة إلى أن يتمكنوا من بناء قاعدة تصنيعية وتصديرية خاصة بهم تؤمن لهم دخلًا آخر بديلاً عن إيرادات الجمارك.
ولكن البعض يرى صعوبة في التطبيق الفعلي لمسألة اختلاف قيم العملات المحلية.. كيف تتغلب الشركات والبنوك على ذلك؟
التطبيق الفعلي سيبدأ بالمصانع التي لديها مصالح متبادلة ومشتركة في الاستيراد والتصدير معًا، فالمصنع كما سيتنازل عن استقبال عملة صعبة عند التصدير سيعوض ذلك ويستفيد تمامًا بعدم دفع عملة صعبة عند استيراد مواده الخام من إفريقيا، وأنا أتوقع أن أول القطاعات المستفيدة من هذه المنظومة هي مصانع الشوكولاتة والحلويات لأن الكاكاو والبن والشاي في العالم يأتي بأكبر كمياته من إفريقيا ونحن نستورده ثم نصنعه هنا كشوكولاتة وبسكويت ومنتجات تحمل أسماء براندات ونعيد تصديره مجددًا، فالمنظومة يجب أن تبدأ بمن لديه هذه المصلحة المشتركة.
والحقيقة أن البنك المركزي المصري واعٍ لأقصى درجة بأهمية إفريقيا وأهمية التجارة البينية الحرة مع قارتنا السمراء، وكان من أول البنوك المركزية التي وقعت على اتفاقية التجارة الإفريقية الحرة، وهناك سعي حثيث وجاد حاليًا لتنفيذ أول معاملة تجارية فعلية بالعملة المحلية تحت مظلة نظام PAPSS بين مصر والدول الإفريقية.
وكيف يتم الربط التكنولوجي والتجاري بين شركات القارة لتعزيز هذه المنظومة؟
البنك الإفريقي أطلق منظومة إلكترونية موحدة للتجارة تشبه المنصات العالمية الكبرى وتسمى بوابة التجارة الإفريقية African Trade Gateway واختصارها ATEX، ويتم تسجيل كافة الشركات الإفريقية عليها لتتاجر مع بعضها البعض، ونحن في شركة الجوندي تريدينج لا نمثل الاتفاقية فقط بل نمثل بوابة التجارة الإفريقية في منطقة شمال إفريقيا وتحديدًا في مصر وتونس والجزائر والمغرب وليبيا، حيث نتولى مسؤولية تجميع الشركات التجارية من هذه الدول ووضعها على المنظومة لفتح أسواق مشتركة وزيادة معدلات التجارة البينية الإفريقية.
بالانتقال إلى ملف قواعد المنشأ والجهود المبذولة فيه.. ما هي القطاعات التي كانت تمثل نقطة تعثر أمام التنفيذ الكامل وما التطورات الأخيرة بها؟
ملف قواعد المنشأ وتحديد نسبة المكون الإفريقي لاعتبار المنتج "صُنع في إفريقيا" حظي بعمل وضبط قانوني كبير وشامل من قبل سكرتارية الاتفاقية، ولم يعد هناك نقاط تعثر بالمعنى الحرفي، فالقطاعات التي كانت صعبة ومعقدة في التفاوض سابقًا هي قطاعات المنسوجات والملابس وكذلك قطاع السيارات، ولكن جاري الانتهاء من هذا الملف بأكمل وجه وتم بالفعل في الاجتماع الأخير لوزراء التجارة الموافقة على بعض البنود والصياغات الجديدة الخاصة بهذه القطاعات الحيوية.
أخيراً.. في ظل التغيرات المستمرة في سلاسل الإمداد العالمية.. كيف يمكن لإفريقيا استغلال هذه التحولات وتحويلها إلى فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي؟
سلاسل الإمداد في إفريقيا تمثل قوة كامنة وضخمة إذ تُعد القارة الحاضنة الأساسية لمعظم المواد الخام العالمية خاصة الأحجار والمعادن التي تُعامل في كثير من الأحيان كمخلفات غير ذات قيمة ويتم التخلص منها أو بيعها بأسعار زهيدة للغاية لكن التجارب العملية أثبتت عكس ذلك إذ إن بعض هذه المواد وبعد فحصها في مختبرات متخصصة تبين أنها تدخل في صناعات متقدمة مثل الصناعات العسكرية واليورانيوم وتقدر قيمتها بملايين الدولارات ومن هنا فإن إعادة ضبط سلاسل الإمداد في القارة السمراء أصبحت تعتمد بشكل أساسي على التوعية والعلم والمعرفة إلى جانب الحوارات المستمرة بين وزراء التجارة وقادة الدول لتعميق الفهم بالقيمة الحقيقية لكل صناعة كما يجري حاليًا العمل على تطوير هذه السلاسل بشكل أكثر احترافية باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بما يسهم في تعظيم القيمة المضافة للموارد الإفريقية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الاقتصادي للقارة.