رغم استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية، وارتفاع أسعار الفائدة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، تبدو مصر وكأنها تسير في اتجاه مختلف على خريطة الاستثمار الأجنبي. ففي وقت شهدت فيه العديد من الأسواق الناشئة، وخاصة في أفريقيا، تباطؤًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، واصلت الشركات العالمية ضخ استثمارات جديدة والتوسع داخل السوق المصرية، مدفوعة بمزيج من المقومات الجغرافية والإصلاحات الاقتصادية وتغير خريطة التجارة الدولية.
وتكشف البيانات الرسمية أن مصر جذبت استثمارات أجنبية مباشرة بلغت نحو 12 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، بزيادة تقارب 10% مقارنة بالعام السابق، بعد استبعاد الأثر الاستثنائي لصفقة تطوير رأس الحكمة. وتستهدف الحكومة رفع التدفقات إلى 42 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، في إطار خطة طموحة لتعزيز دور الاستثمار الخاص في الاقتصاد.
ولا تقتصر المؤشرات على قيمة التدفقات المالية فقط، بل تمتد إلى النشاط الفعلي للشركات، إذ تقدمت نحو 450 شركة أجنبية بطلبات لتأسيس أعمال جديدة في مصر منذ مارس 2026، معظمها في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية، وهو ما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين بالسوق المصرية رغم التحديات الإقليمية والدولية.
موقع استراتيجي يختصر المسافات
يظل الموقع الجغرافي أحد أبرز عناصر الجذب للاستثمار في مصر. فالبلاد تتوسط ثلاث قارات، وتطل على أحد أهم الممرات التجارية في العالم، حيث تمر عبر قناة السويس ما بين 12 و15% من حركة التجارة البحرية العالمية.
ولا يقتصر الأمر على الموقع وحده، بل تدعمه شبكة واسعة من الطرق والموانئ والمناطق اللوجستية، إلى جانب اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتجات المصنعة في مصر منفذًا إلى عشرات الأسواق في أوروبا وأفريقيا والعالم العربي، وهو ما يحول البلاد إلى منصة إنتاج وتصدير، وليس مجرد سوق محلية.
يمنح الحجم السكاني لمصر ميزة إضافية لا تقل أهمية عن موقعها الجغرافي. فوجود أكثر من 106 ملايين نسمة يوفر قاعدة استهلاكية ضخمة تمثل عامل جذب رئيسيًا للشركات العالمية، خاصة العاملة في قطاعات الأغذية والسلع الاستهلاكية والإلكترونيات والخدمات الرقمية.
فالمستثمر لا يبحث فقط عن بوابة للتصدير، بل عن سوق قادرة أيضًا على استيعاب إنتاجه وتحقيق عوائد مستدامة.
عمالة تنافسية بتكلفة أقل
إلى جانب السوق الكبيرة، تتمتع مصر بوفرة في العمالة الشابة، مع مستويات تكلفة تظل أقل مقارنة بعدد من الأسواق المنافسة في المنطقة.
وتشير البيانات إلى أن قوة العمل تضم أكثر من 32 مليون عامل في تخصصات متنوعة تشمل الهندسة وتكنولوجيا المعلومات والرعاية الصحية والخدمات المالية، وهو ما يمنح الشركات العالمية إمكانية الحصول على كوادر مؤهلة بتكاليف تشغيل تنافسية، خاصة مع تزايد الاعتماد على الصناعات التصديرية وخدمات التعهيد.
واحدة من أهم المزايا التي تراهن عليها الشركات الأجنبية هي شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بنحو 75 دولة، بما يتيح دخول المنتجات المصرية إلى أسواق واسعة بإعفاءات أو مزايا جمركية.
وتحول هذه الاتفاقيات مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع وإعادة التصدير، وهو ما يفسر اهتمام شركات صينية وتركية وأوروبية بتأسيس مصانع تستهدف الأسواق الخارجية، وليس السوق المحلية فقط.
بنية تحتية تغير قواعد المنافسة
خلال السنوات الأخيرة، استثمرت الدولة بكثافة في تطوير شبكات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، وهو ما انعكس على قدرة مصر على جذب الاستثمارات الإنتاجية.
وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم مراكز جذب المستثمرين، إذ تستحوذ على نسبة كبيرة من المشروعات الصناعية الأجنبية الجديدة، بفضل موقعها القريب من خطوط التجارة العالمية وتوافر المرافق والخدمات اللوجستية.
كما لعبت الإصلاحات الاقتصادية دورًا مهمًا في تحسين بيئة الاستثمار، سواء من خلال تحديث قانون الاستثمار، أو التوسع في الخدمات الحكومية الرقمية، أو تسريع إجراءات التأسيس والتراخيص.
وساعد تطبيق نظام أكثر مرونة لسعر الصرف منذ مارس 2024 على استعادة قدر من الثقة لدى المستثمرين الأجانب، بالتوازي مع إجراءات لتقليص زمن الإفراج الجمركي وخفض تكلفته، وهو ما انعكس في تقليل الوقت والتكلفة الجمركية بنحو 65%، وتحقيق وفر يُقدر بحوالي 1.5 مليار دولار.
الحرب التجارية.. فرصة لمصر
ولم تعد العوامل المحلية وحدها هي المحرك الرئيسي للاستثمار، إذ أسهمت التحولات التي تشهدها التجارة العالمية في تعزيز جاذبية السوق المصرية.
فمع استمرار التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين، تتجه شركات عالمية إلى إعادة توزيع سلاسل الإمداد والبحث عن قواعد إنتاج بديلة تقلل من المخاطر وتمنحها مزايا جمركية أفضل.
وفي هذا السياق، تبرز مصر كإحدى الوجهات المستفيدة، مستندة إلى موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية وانخفاض الرسوم الأمريكية على بعض المنتجات المصرية مقارنة بدول منافسة، وهو ما يشجع شركات آسيوية وأوروبية على استخدام مصر كقاعدة للتصنيع والتصدير.
ورغم هذا الزخم، يؤكد خبراء الاقتصاد أن بيئة الاستثمار ما زالت بحاجة إلى مزيد من الإصلاحات لضمان استدامة التدفقات الأجنبية.
وتأتي في مقدمة هذه التحديات تعدد الجهات الضريبية، واستمرار بعض الإجراءات البيروقراطية في إصدار التراخيص، ومحدودية الأراضي الصناعية المرفقة في بعض المناطق، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز الشفافية وسرعة حسم المنازعات التجارية.