لأكثر من سبعة آلاف عام، ارتبطت الزراعة المصرية بشريط ضيق يمتد على جانبي نهر النيل، بينما بقيت معظم مساحة البلاد صحراء غير مستغلة. لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأت الدولة تنفيذ واحدة من أكبر خطط التوسع الزراعي في تاريخها الحديث، مستهدفة تحويل مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية إلى مناطق إنتاج جديدة، في محاولة لمواجهة تحديات الأمن الغذائي والزيادة السكانية.
هذا التحول لم يقتصر على استصلاح أراضٍ جديدة، بل شمل أيضًا تحديث نظم الري، ورفع إنتاجية الأراضي القائمة، وربط الزراعة بمشروعات البنية التحتية والطاقة والمياه، لتصبح التنمية الزراعية جزءًا من رؤية اقتصادية أشمل.
من 4% من مساحة مصر إلى خريطة زراعية أوسع
قبل عام 2014، ظلت الزراعة تتركز داخل وادي النيل والدلتا، حيث بلغت مساحة الأراضي القديمة نحو 6.1 مليون فدان، فيما لم تتجاوز الأراضي المستصلحة تاريخيًا نحو 4 ملايين فدان.
ومنذ ذلك الحين، بدأت الدولة تنفيذ برنامج واسع للتوسع الأفقي، أضاف أكثر من مليوني فدان إلى الرقعة الزراعية حتى عام 2024، بينما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء استصلاح 610.8 ألف فدان خلال عام واحد فقط، بزيادة بلغت 194 ألف فدان مقارنة بالعام السابق.
وتستهدف وزارة الزراعة رفع إجمالي الرقعة الزراعية في مصر إلى نحو 12 مليون فدان خلال السنوات المقبلة، في إطار خطة تستهدف زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات الغذائية.
مشروعات قومية أعادت رسم الخريطة الزراعية
اعتمدت خطة التوسع الزراعي على مجموعة من المشروعات الكبرى، التي انتشرت في مناطق مختلفة من الجمهورية، بحيث يخدم كل مشروع منطقة جغرافية وأهدافًا تنموية مختلفة.
ويأتي مشروع الدلتا الجديدة في مقدمة هذه المشروعات، إذ يمتد على 2.2 مليون فدان في نطاق محافظات الجيزة والبحيرة والفيوم ومطروح، ويعد أكبر مشروع للتوسع الزراعي في تاريخ مصر الحديث، بعد افتتاحه رسميًا في مايو 2026.
إلى جانبه، يواصل مشروع الريف المصري الجديد (المليون ونصف المليون فدان) التوسع في مناطق المغرة والفرافرة وغرب المنيا وتوشكى وشرق سيوة، حيث ارتفعت المساحات المستصلحة تدريجيًا لتصل إلى مئات الآلاف من الأفدنة خلال السنوات الأخيرة.
كما يمثل مشروع شمال ووسط سيناء أحد أهم مشروعات التنمية الزراعية المرتبطة بالأمن القومي، إذ يستهدف استصلاح 456 ألف فدان اعتمادًا على المياه الجوفية والمياه المحلاة.
وفي جنوب البلاد، تتواصل أعمال التنمية الزراعية من خلال مشروع سنابل سونو بأسوان، الذي يستهدف زراعة نحو 650 ألف فدان، إضافة إلى مشروع توشكى، الذي عاد إلى الواجهة بعد سنوات من التعثر، ليصبح أحد أهم محاور التوسع الزراعي في صعيد مصر.
ليس توسعًا أفقيًا فقط
ورغم ضخامة مشروعات الاستصلاح، فإن الدولة لم تعتمد على زيادة المساحات وحدها، بل اتجهت أيضًا إلى التوسع الرأسي، أي رفع إنتاجية الأراضي القائمة.
وشمل ذلك تحويل أكثر من 1.5 مليون فدان إلى نظم الري الحديث، سواء بالتنقيط أو الرش، بما يسهم في ترشيد استهلاك المياه وزيادة إنتاجية الفدان.
وانعكس ذلك على أداء القطاع الزراعي، الذي سجل معدل نمو بلغ 4.4% خلال 2023/2024، وهو أعلى معدل نمو يحققه القطاع منذ أكثر من عشر سنوات.
الصادرات تكشف أثر التوسع
لم يقتصر تأثير هذه المشروعات على زيادة الرقعة الزراعية، بل امتد إلى أداء الصادرات الزراعية.
فقد تجاوزت صادرات مصر من الحاصلات الزراعية 8.6 مليون طن خلال عام 2024، بزيادة تجاوزت مليونًا ونصف المليون طن مقارنة بالعام السابق.
كما ارتفعت قيمة الصادرات الزراعية إلى أكثر من 4 مليارات دولار خلال أقل من عام، وهو ما يعكس تحسن القدرة الإنتاجية وزيادة تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.
معركة المياه لا تزال مستمرة
ورغم هذا التوسع، يبقى ملف المياه هو التحدي الأكبر أمام استمرار التنمية الزراعية.
فمصر تعتمد على حصة ثابتة من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تزداد الاحتياجات المائية مع النمو السكاني والتوسع في الزراعة.
ولهذا اتجهت الدولة إلى الاعتماد بصورة أكبر على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي المعالجة، والاستفادة من المياه الجوفية، وتعميم نظم الري الحديثة، في محاولة لتعويض محدودية الموارد المائية التقليدية.
تحديات لا يمكن تجاهلها
ورغم المؤشرات الإيجابية، يؤكد خبراء الزراعة أن نجاح مشروعات الاستصلاح لا يرتبط فقط بإعلان المساحات المستهدفة، وإنما بقدرتها على تحقيق إنتاج مستدام.
وتظل تكلفة الاستصلاح المرتفعة، التي تصل في بعض المشروعات إلى 350–400 ألف جنيه للفدان، أحد أبرز التحديات، إلى جانب الحاجة إلى الحفاظ على خصوبة الأراضي الجديدة، ومعالجة مشكلات الملوحة، وضمان استمرار توفير المياه.
كما يشير بعض المتخصصين إلى أهمية تقييم المشروعات وفق ما يتحقق فعليًا على الأرض، خاصة في ضوء تجارب سابقة شهدت فجوة بين المساحات المعلنة وما دخل الإنتاج بالفعل.