رغم ما تمتلكه مصر من مقومات قوية لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا تزال هناك تحديات تتطلب حلولًا سريعة لتعزيز ثقة المستثمرين وزيادة تدفقات رؤوس الأموال. وفي الوقت الذي يؤكد فيه خبراء الاقتصاد استمرار نمو الاستثمار الأجنبي وفقًا للمؤشرات الرسمية، يشددون على أن استقرار سعر الصرف، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية، وتعزيز الشفافية داخل سوق المال، تمثل عوامل حاسمة لتحويل الفرص المتاحة إلى استثمارات مباشرة تدعم النمو الاقتصادي وتوسع دور القطاع الخاص.
وأضاف الخبير الاقتصادي معتز الجريلي أن بيانات عام 2026 أظهرت ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 13 مليار دولار، بنسبة نمو بلغت 33%، وهو ما يعكس قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات رغم الظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية الصعبة.
وأشار إلى أن هذه النتائج الإيجابية لا تعني غياب التحديات، موضحًا أن المنطقة العربية شهدت تراجعًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي بنحو 10% نتيجة حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض الدول، وهو ما ينعكس على رؤية المستثمرين الدوليين تجاه المنطقة بشكل عام.
كما أوضح الجريلي أن الاضطرابات الجيوسياسية تأتي في مقدمة العوامل التي تثير قلق المستثمرين، إذ تؤثر المخاوف الأمنية وحالة عدم الاستقرار الإقليمي على تقييم المخاطر الاستثمارية، وهو ما يدفع العديد من الشركات العالمية إلى إعادة النظر في خططها التوسعية أو تأجيل قرارات ضخ استثمارات جديدة.
وأضاف أن حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي تمثل عاملًا آخر لا يقل أهمية، خاصة في ظل استمرار التوترات الدولية التي انعكست على ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى تبني سياسات أكثر تحفظًا في ضخ رؤوس الأموال، والتركيز على الأسواق التي توفر أعلى درجات الاستقرار.
وأكد أن المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمار أصبحت أكثر حدة خلال السنوات الأخيرة، حيث يبحث المستثمر عن الأسواق التي تجمع بين انخفاض تكلفة التشغيل وارتفاع العائد الاستثماري، لافتًا إلى أن أي تعقيدات إدارية أو بطء في الإجراءات أو غياب الوضوح التشريعي قد يدفع المستثمر إلى توجيه استثماراته نحو أسواق منافسة توفر بيئة أعمال أكثر مرونة.
وأشار الجريلي إلى أن مناخ الاستثمار لا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية أو حجم التدفقات الاستثمارية، بل يمثل منظومة متكاملة تشمل التشريعات، وكفاءة المؤسسات، وسرعة الإجراءات، ووضوح القواعد المنظمة للاستثمار، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قرارات الشركات المحلية والأجنبية.
ولفت إلى أن الإصلاحات التشريعية التي نفذتها الدولة، وعلى رأسها تطوير قوانين الإفلاس والصلح الواقي، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، تمثل خطوات مهمة لتعزيز ثقة المستثمرين، لأنها تمنحهم ضمانات قانونية واضحة، وتوفر آليات للتعامل مع التعثر دون تعقيدات تؤثر على استمرارية النشاط.
وأضاف أن وجود آليات فعالة وسريعة لتسوية المنازعات بين المستثمرين والجهات الحكومية يعد من أهم عناصر جذب الاستثمار، لأن المستثمر يحرص على العمل داخل بيئة قانونية تضمن حماية حقوقه وسرعة الفصل في النزاعات، وهو ما ينعكس إيجابًا على ترتيب الدولة في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال.
ولفت إلى أن مصر تمتلك مزايا تنافسية قوية، من بينها توافر العمالة المؤهلة، وانخفاض تكلفة التشغيل مقارنة بالعديد من الأسواق المنافسة، إلى جانب اتساع السوق المحلية والموقع الجغرافي المتميز الذي يجعلها مركزًا إقليميًا للتجارة والصناعة والتصدير.
وشدد الجريلي على أن الحفاظ على معدلات النمو الحالية في الاستثمار الأجنبي يتطلب استمرار الإصلاحات الهيكلية، ليس فقط من خلال إصدار القوانين، وإنما عبر التطبيق الفعلي لها، وتبسيط الإجراءات اليومية، وتقليل زمن الحصول على الخدمات الحكومية، بما يرفع كفاءة بيئة الأعمال ويشجع المستثمرين على التوسع.
وأكد أن نجاح مصر في جذب صفقات استثمارية كبرى خلال الفترة الأخيرة يعكس تحسن مناخ الاستثمار، إلا أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب الاستمرار في تطوير البيئة التشريعية والإدارية، موضحًا أن الشركات العاملة داخل السوق المصرية تمثل أفضل وسيلة للترويج للاستثمار، لأنها تنقل تجاربها إلى المستثمرين الجدد. وأضاف أن المستثمر الأجنبي لا يبحث فقط عن الفرص الواعدة، وإنما يركز أيضًا على الاستقرار التشريعي، وسهولة الإجراءات، ووضوح السياسات الاقتصادية، باعتبارها الضمان الحقيقي لاستدامة الاستثمار وتحقيق النمو طويل الأجل.