لم تعد الكهرباء في مصر مجرد خدمة محلية، بل أصبحت أحد أهم الملفات الاقتصادية التي تراهن عليها الدولة لتعزيز مواردها من النقد الأجنبي وترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة. فبعد سنوات كانت فيها البلاد تعاني عجزًا في إنتاج الكهرباء، اتجهت الاستراتيجية الحكومية إلى استغلال الفائض في التصدير، وربط الشبكة القومية بدول الجوار، بالتوازي مع بناء صناعة جديدة للهيدروجين الأخضر تستهدف الأسواق الأوروبية والعالمية.
وتستند هذه الرؤية إلى محورين متكاملين: الأول تحويل مصر إلى ممر إقليمي لتبادل الكهرباء بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، والثاني تأسيس صناعة للهيدروجين والوقود الأخضر قادرة على جذب استثمارات بمليارات الدولارات.
من أزمة الكهرباء إلى فائض للتصدير
قبل أكثر من عقد، كانت مصر تواجه أزمة حادة في الكهرباء، بعدما تجاوز العجز في الشبكة القومية نحو 6 آلاف ميجاوات، إلا أن التوسع الكبير في إنشاء محطات الإنتاج غيّر المشهد بالكامل، لتتحول البلاد إلى فائض يومي يتجاوز 17 ألف ميجاوات.
وتسعى الحكومة إلى استثمار هذا الفائض اقتصاديًا بدلًا من بقائه طاقة غير مستغلة، حيث بلغت صادرات الكهرباء إلى الأردن والسودان خلال العام المالي الجاري نحو 440 مليون كيلووات ساعة، فيما تشير تقديرات متخصصة إلى أن تصدير 10.8 مليار كيلووات ساعة سنويًا يمكن أن يحقق عائدًا يقارب مليار دولار.
شبكة ربط عابرة للحدود
ويمثل الربط الكهربائي الإقليمي الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية.
فمصر تقترب من تشغيل المرحلة الأولى من مشروع الربط مع السعودية بقدرة 1500 ميجاوات ضمن مشروع إجمالي يصل إلى 3000 ميجاوات، مع خطط لزيادة القدرات التبادلية مع السعودية والسودان خلال عام 2026.
ولا تتوقف الخطة عند محيطها العربي، إذ تعمل الحكومة على مشروع ربط كهربائي مع اليونان بقدرة تصل إلى 3000 ميجاوات، بما يسمح بتصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا، مستفيدة من الطلب الأوروبي المتزايد على الطاقة منخفضة الانبعاثات.
كما تشير التطورات الأخيرة إلى إنجاز نحو 95% من مشروع الربط مع السعودية، بالتوازي مع خطط لنقل الكهرباء إلى العراق وسوريا ولبنان عبر كابل بحري جديد مع الأردن، إلى جانب خطوط الربط القائمة مع ليبيا والسودان، وهو ما يعزز موقع مصر كمحور إقليمي لتبادل الطاقة بين ثلاث قارات.
الهيدروجين الأخضر.. رهان المستقبل
وبالتوازي مع تصدير الكهرباء، تعمل مصر على بناء صناعة جديدة تقوم على الهيدروجين الأخضر، الذي يُنظر إليه عالميًا باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة خلال العقود المقبلة.
وشهد يناير 2026 بدء الإنتاج الجزئي لأول مشروع للهيدروجين الأخضر بقدرة 100 ميجاوات داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع تصدير أولى الشحنات إلى أوروبا والولايات المتحدة، في خطوة تمثل بداية دخول مصر إلى سوق الوقود الأخضر عالميًا.
ويحظى هذا القطاع بمتابعة مباشرة من الحكومة، حيث تنفذ شركة سكاتك النرويجية، بالشراكة مع صندوق مصر السيادي وأوراسكوم للإنشاء وفيرتيجلوب، أحد أكبر المشروعات في العين السخنة، ضمن استراتيجية تستهدف تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز عالمي لإنتاج وتصدير الوقود الأخضر.
قناة السويس.. مركز صناعة الوقود الأخضر
وتستحوذ المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على نحو 85% من مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر، بإجمالي قدرات إنتاجية تبلغ 10.7 جيجاوات، تكفي لإنتاج نحو 1.5 مليون طن سنويًا.
كما تجاوزت قيمة الاتفاقيات الموقعة داخل المنطقة 31 مليار دولار، لإنتاج 2.5 مليون طن من الهيدروجين الأخضر و3 ملايين طن من الوقود الأخضر، بينما يأتي مشروع رأس شقير على البحر الأحمر في مقدمة هذه المشروعات، باستثمارات تصل إلى 8.12 مليار دولار لإنتاج مليون طن من الأمونيا الخضراء سنويًا بدءًا من عام 2029.
هل تصبح مصر مركزًا للطاقة؟
تعكس هذه المشروعات تحولًا في مفهوم أمن الطاقة داخل مصر؛ فلم يعد الهدف يقتصر على تلبية الطلب المحلي، وإنما بناء اقتصاد يعتمد على تصدير الكهرباء والوقود الأخضر وربط شبكات الطاقة الإقليمية.
ويعزز هذا التوجه ما أشار إليه البنك الدولي من أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها لتكون «ركيزة جيوسياسية خضراء» لاستقرار الطاقة عالميًا، بفضل موقعها الجغرافي، وتنوع مصادر الطاقة، وانخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة.
ورغم ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بسرعة تنفيذ مشروعات الربط الكهربائي، وتحويل الاتفاقيات الموقعة في قطاع الهيدروجين الأخضر إلى مصانع وإنتاج فعلي، بما يسمح بتحويل الموقع الجغرافي لمصر إلى ميزة اقتصادية مستدامة، وليس مجرد نقطة عبور للطاقة.