الثلاثاء، 28 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
اقتصاد اقتصاد

«وثيقة ملكية الدولة».. الحكومة تفسح المجال الاقتصادي للقطاع الخاص

يشهد الاقتصاد المصري تحولًا في فلسفة إدارة الأصول العامة، مع انتقال الدولة تدريجيًا من دور المستثمر المباشر في عدد من الأنشطة الاقتصادية إلى دور المنظم والمحفز للاستثمار، في إطار سياسة تستهدف توسيع مساهمة القطاع الخاص في قيادة النمو، وزيادة قدرته على جذب رؤوس الأموال وخلق فرص العمل.

ويأتي الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة 2026–2030 ليحدد ملامح هذه المرحلة، عبر برنامج يستهدف إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص، مع التركيز على الأنشطة التي يمكن للسوق إدارتها بكفاءة أعلى.

القطاع الخاص في صدارة الاستثمارات

تستهدف الحكومة رفع مساهمة القطاع الخاص إلى أكثر من 65% من إجمالي الاستثمارات قبل نهاية العقد الحالي، مقارنة بمستويات أقل خلال السنوات الماضية.

وتشير البيانات الحكومية إلى أن مساهمة القطاع الخاص ارتفعت بالفعل إلى نحو 56.5% من إجمالي الاستثمارات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مقابل نحو 39.8% في الفترة السابقة، وهو ما يعكس اتساع دوره في النشاط الاقتصادي.

ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن زيادة استثمارات القطاع الخاص تمثل أحد المحركات الرئيسية للنمو، وتعزز قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية.

برنامج الطروحات.. من التخارج إلى الشراكة

ويُعد برنامج الطروحات الحكومية إحدى أهم أدوات تنفيذ الوثيقة، إذ تعمل الدولة على طرح حصص من شركاتها أمام المستثمرين، سواء عبر البورصة أو من خلال شراكات استراتيجية، بهدف جذب استثمارات جديدة وتعزيز كفاءة الإدارة.

ووفقًا للبيانات الرسمية، جرى قيد 20 شركة قيدًا مؤقتًا في البورصة المصرية من إجمالي 30 شركة يشملها البرنامج، تضم شركات من قطاع الأعمال العام وقطاع البترول.

وشهد البرنامج خطوة لافتة بتقدم شركة خدمات البترول البحرية (PMS) بطلب قيد أسهمها في السوق الرئيسية، لتصبح أول شركة بترول حكومية تدخل مسار الطروحات، في إشارة إلى اتساع نطاق البرنامج ليشمل قطاعات جديدة.

تسعة محاور لإعادة تعريف دور الدولة

ولا تقتصر الوثيقة على برنامج الطروحات، بل تتضمن تسعة محاور تنفيذية تهدف إلى إعادة تنظيم وجود الدولة في الأنشطة الاقتصادية.

ويأتي في مقدمة هذه المحاور التخارج التدريجي من الأنشطة التي يستطيع القطاع الخاص إدارتها بكفاءة، مع استمرار الدولة في القطاعات الاستراتيجية والخدمية التي تتطلب وجودًا حكوميًا، بما يحقق توازنًا بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على المصالح العامة.

وتتولى وحدة الشركات المملوكة للدولة، بالتنسيق مع صندوق مصر السيادي والجهات الحكومية المعنية، متابعة تنفيذ مستهدفات الوثيقة، وتقييم نتائجها بصورة دورية.

النجاح لا يقاس بعدد الطروحات

ويرى عدد من الخبراء أن نجاح سياسة ملكية الدولة لا يرتبط فقط بعدد الشركات المطروحة، وإنما بقدرة هذه الخطوات على رفع كفاءة إدارة الأصول، وتحسين الأداء التشغيلي، وجذب استثمارات طويلة الأجل.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي زياد بهاء الدين أن المعيار الحقيقي لنجاح الوثيقة يتمثل في جودة إدارة الأصول المتبقية للدولة، وليس في حجم التخارجات وحده، مشيرًا إلى أن اختيار توقيت الطرح، وطبيعة المستثمرين، وآليات الحوكمة، عوامل لا تقل أهمية عن تنفيذ عمليات البيع نفسها.

بين الدولة والسوق

تعكس وثيقة سياسة ملكية الدولة تحولًا في إدارة الاقتصاد المصري، يقوم على توسيع مساحة القطاع الخاص، مع تركيز الدولة على دورها في التنظيم والتخطيط والرقابة، بدلًا من المنافسة المباشرة في الأنشطة الاقتصادية.

ويبقى نجاح هذا التحول مرهونًا بقدرة الحكومة على تنفيذ برنامج الطروحات وفق معايير واضحة وشفافة، وتحقيق توازن بين جذب الاستثمارات، وتعظيم العائد من الأصول العامة، والحفاظ على تنافسية الأسواق.

وفي حال تحقق هذه الأهداف، قد تمثل الوثيقة نقطة تحول في هيكل الاقتصاد المصري، عبر تعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للاستثمار والنمو، مع إعادة توجيه موارد الدولة نحو القطاعات ذات الأولوية التنموية.