يرى الدكتور محمد يوسف، أستاذ الزراعة والمكافحة الحيوية بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، ومستشار الزراعة العضوية بالوحدة الاقتصادية بجامعة الدول العربية، أن التحديات العالمية والمحلية، المتمثلة في الزيادة السكانية، وتناقص الرقعة الزراعية، والتغيرات المناخية، والاحتباس الحراري، والتصحر، وتدهور التنوع البيولوجي، إضافة إلى نقص سلاسل الإمداد وأزمة الغذاء العالمية، وندرة الموارد المائية، فضلًا عن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والوضع الراهن في السودان، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، جعلت تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في مصر يبدو أمرًا شبه مستحيل.
وأوضح أن ما غيّر هذه المعادلة هو القيادة الحكيمة التي وضعت خطة شاملة لتطوير مختلف قطاعات الدولة وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، خاصة في مجال إدارة المياه وترشيد استهلاكها في الزراعة، عبر مشروعات قومية كبرى مثل مشروعات: المليون ونصف المليون فدان. والـ100 ألف فدان من الصوب الزراعية، وتطوير الري الحقلي، والتحول من الري بالغمر إلى أنظمة الري الحديث بالتنقيط، وكذلك مشروعات الدلتا الجديدة على مساحة 2.2 مليون فدان، ومستقبل مصر الزراعي، وتوشكي الخير بإجمالي 1.1 مليون فدان.
وأشار إلى أن هذه المشروعات أسهمت في دعم وتعظيم الاقتصاد الوطني بشكل ملحوظ، مضيفًا أن الدولة تلعب دورًا محوريًا في ملف إنتاج التقاوي المعتمدة، ولا سيما تقاوي الخضروات، بهدف توفير أصناف عالية الجودة للمزارعين تتميز بقدرتها على مقاومة الآفات الحشرية والأكاروسية والحيوانية، والأمراض النباتية المختلفة، فضلًا عن كونها موفرة للمياه، وقادرة على تحمل الملوحة والجفاف والتغيرات المناخية، إلى جانب قصر فترة نموها وارتفاع إنتاجيتها.
وأكد أن هذه الجهود تتكامل مع تنظيم ومراقبة عمليات إنتاج وتداول التقاوي، بما يضمن سلامتها ويسهم في رفع إنتاجية المحاصيل الزراعية عالية الجودة، في ظل التوسع الأفقي والرأسي الذي تشهده الأراضي الزراعية بفضل توجيهات القيادة السياسية.
توفير المحاصيل الاستراتيجية
وأشار الدكتور يوسف إلى أن الدولة تعمل على توفير التقاوي المعتمدة لعدد كبير من المحاصيل الزراعية، خاصة المحاصيل الاستراتيجية، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد وتلبية احتياجات السوق المحلية بالكامل.
وشدد على أن الأجهزة المتخصصة في القطاع الزراعي تقدم دعمًا متواصلًا للباحثين والخبراء المشاركين في البرنامج الوطني لإنتاج التقاوي المعتمدة، من خلال تعزيز جهود مراكز البحوث الزراعية لإنتاج هجن وأصناف جديدة تتميز بإنتاجية مرتفعة ومقاومة للحشرات والنيماتودا، إضافة إلى الأمراض الفطرية والبكتيرية والفيروسية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على تحسين جودة المحاصيل وتقليل الفاقد، خاصة في تقاوي الخضروات سواء داخل الصوب الزراعية أو في الحقول المكشوفة.
وأكد أن بذور التقاوي تمر بمرحلة تسجيل واعتماد دقيقة، حيث تتولى الجهات المختصة عملية تسجيل واعتماد الشركات والجهات المنتجة للتقاوي، لضمان جودتها ومطابقتها للمواصفات القياسية، بما يضمن إنتاج أصناف معتمدة غير مغشوشة تحقق للمزارعين أعلى معدلات الإنتاج.
وأضاف أن هذه الجهود تتكامل مع برامج توعية وإرشاد شاملة تستهدف المزارعين والفلاحين لتعريفهم بأهمية استخدام التقاوي المعتمدة وطرق التعامل معها بالشكل الأمثل، لضمان تحقيق أقصى استفادة من إمكاناتها الإنتاجية. كما تحرص الدولة على توفير هذه التقاوي بأسعار مناسبة، خاصة لصغار المزارعين، بما يضمن وصولها إلى جميع الفئات.
إجراءات صارمة لمكافحة الغش في قطاع التقاوي
وأكد الخبير الزراعي أن الدولة تتبنى إجراءات قانونية صارمة لمكافحة الغش في قطاع إنتاج التقاوي بمختلف أصنافها، من خلال الرقابة المستمرة على الأسواق المحلية في القرى والمدن، والتصدي للممارسات غير القانونية التي تضر بالمزارعين وتعرقل نشاطهم الزراعي.
وأضاف أن البرنامج الوطني لإنتاج تقاوي الخضروات، منذ انطلاقه، عمل على توفير بنية تحتية متكاملة لإنتاج وتخزين بذور وحبوب التقاوي، شملت إنشاء مراكز متخصصة للتجميع والتعبئة والتخزين في عدد من المحافظات، لضمان توافر التقاوي سليمة وخالية من الآفات الحشرية والأمراض النباتية، وذات نسبة إنبات مرتفعة تؤهلها لتحقيق إنتاجية عالية.
وأشار إلى التعاون المثمر بين القطاعين العام والخاص في مجال إنتاج التقاوي، موضحًا أن الدولة تحرص على تشجيع هذا التعاون لزيادة الإنتاجية وتحسين الجودة، مع توفير بيئة استثمارية مناسبة ومحفزة للقطاع الخاص في مجال إنتاج التقاوي المعتمدة.
وأكد أن هذا التوجه يسهم في تقليص الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج، ويعزز تحقيق الأمن الغذائي للمواطنين، مشددًا على أن استخدام التقاوي المعتمدة يعد أحد أهم العوامل التي ترفع إنتاجية المحاصيل الزراعية وتحسن جودة المنتجات المحلية، بما يجعلها أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق التصديرية.
أهداف البرنامج الوطني لإنتاج التقاوي
وأوضح أن البرنامج الوطني لإنتاج التقاوي، الذي أُطلق في عام 2019، ركز على اختيار أهم عشرة محاصيل مربحة والأكثر استيرادًا كتقاوي من الخارج، وهي: بذور الكنتالوب، والكوسة، والقثاء، والباذنجان، والفلفل، والطماطم، والبطيخ، والخيار، واللوبيا، والفاصوليا، والبسلة، إضافة إلى البطاطس.
ويهدف البرنامج إلى خفض الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج، وإنهاء احتكار الشركات العالمية لسوق تقاوي الخضروات في مصر، حيث كانت هذه الشركات قبل إطلاق البرنامج تحتكر توريد نحو 98% من احتياجات البلاد من تقاوي الخضر.
وأشار إلى أن الدولة تواصل تقديم الدعم الفني والمادي لتطوير البرنامج الوطني لإنتاج تقاوي الخضروات بصفة مستمرة، لضمان استدامة نجاحه وتعزيز قدرات مصر في هذا المجال الاستراتيجي.
تحقيق الاكتفاء الذاتي وخفض فاتورة الاستيراد
وأوضح الخبير الزراعي أن مصر كانت في السابق تستورد نحو 8 مليارات بذرة من تقاوي الخضروات، أي ما يعادل حوالي 98% من احتياجاتها، بينما لم يتجاوز الإنتاج المحلي نسبة 2% فقط.
وتابع: "ومن هنا جاء التفكير خارج الصندوق من قبل القيادة السياسية، التي أطلقت المشروع القومي لإنتاج بذور تقاوي الخضروات، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من أصناف الخضر عالية الجودة والإنتاج، المقاومة للآفات والتغيرات المناخية، بما يسهم في خفض فاتورة الاستيراد التي كانت تقترب من 7 مليارات جنيه سنويًا".
وأكد أن البرنامج الوطني لإنتاج تقاوي الخضر يقوم على مبدأ الاستدامة، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة في قطاع الزراعة.
وبيّن أن الهدف الرئيسي من البرنامج هو إنتاج التقاوي المنتقاة للأصناف الجديدة، موضحًا أن هناك أربع درجات للتقاوي، هي: بذرة المربّي أو النواة الأساسية للصنف، والبذرة الأساس بعد عملية الإكثار، والبذرة المسجَّلة، والتقاوي المعتمدة التي تُوزَّع على المزارعين، مشيرًا إلى أن إنتاج أي صنف جديد يستغرق ما بين 7 و15 عامًا، وفقًا لطبيعة المحصول وبرنامج التربية الخاص به.
التوسع الأفقي والرأسي في الزراعة
وأوضح أن مشروعات التوسع الأفقي أضافت نحو 4 ملايين فدان جديدة إلى الرقعة الزراعية، أي ما يعادل حوالي 25% من إجمالي المساحة الزراعية في مصر، إلى جانب مشروعات التوسع الرأسي، وفي مقدمتها مشروع الـ100 ألف فدان من الصوب الزراعية، الذي يعادل إنتاجه نحو مليون فدان من الحقول المكشوفة.
وأكد أن هذا التوسع الكبير يفرض ضرورة توفير كميات ضخمة من مدخلات الإنتاج الزراعي، وفي مقدمتها التقاوي والبذور اللازمة للزراعة، وهو ما دفع القيادة السياسية إلى إطلاق المشروع القومي لإنتاج بذور وتقاوي الخضروات، باعتباره مشروعًا وطنيًا عملاقًا ومتخصصًا في تربية وإنتاج التقاوي المعتمدة اللازمة للزراعة.
أهداف المرحلة الأولى من البرنامج
وأشار إلى أن البرنامج يستهدف في مرحلته الأولى إنتاج نحو 4.7 مليار وحدة من البذور أو التقاوي خلال خمس سنوات ، وهو ما يمثل قرابة 60% من احتياجات السوق المحلي، وذلك بالتعاون مع إحدى الشركات الإسبانية، خاصة في مشروع الصوب الزراعية المقام بقاعدة اللواء محمد نجيب العسكرية، والذي يضم 1300 صوبة زراعية على مساحة إجمالية تبلغ 10 آلاف فدان، ويحتوي على مجمع متكامل لتربية وإنتاج بذور وتقاوي الخضروات.
واستكمل قائلًا: "الموقع يضم أيضًا مشروعًا لتربية وإنتاج تقاوي البطاطس من أجود الأصناف، وذلك من خلال تطبيق برامج زراعة الأنسجة"، لافتًا إلى أن أحد الأهداف الرئيسة للبرنامج الوطني لتربية وإنتاج تقاوي الخضروات هو إنتاج أصناف ذات جودة وإنتاجية مرتفعة، قادرة على تحمل الجفاف والملوحة وندرة المياه، ومقاومة للتأثيرات السلبية للتغيرات المناخية والاحتباس الحراري ، مع استهداف إنتاج محاصيل قصيرة دورة الحياة، ومقاومة للآفات الحشرية والأمراض النباتية، مما يسهم في خفض تكاليف المبيدات والأسمدة الكيميائية، والحصول على محاصيل عالية الإنتاجية وذات متبقيات مبيدات منخفضة.
التعاون البحثي والعلمي في إنتاج التقاوي
وأضاف أن البرنامج الوطني لإنتاج تقاوي الخضروات يقوم على تعاون وثيق بين:معاهد بحوث البساتين، وبحوث وقاية النباتات، وبحوث أمراض النباتات، وبحوث الهندسة الوراثية الزراعية، بالإضافة إلى نخبة من أساتذة كليات الزراعة.
وأوضح أن البرنامج بدأ العمل على نحو 11 محصولًا من الخضر الرئيسية في مصر، كما تم ذكرها سابقًا، لافتا إلى أن البرنامج حقق إنجازات ملموسة، حيث تم تسجيل خمسة أصناف وهجن من الطماطم تتفوق على المستوردة، وتمتاز بقدرتها على تحمل التغيرات المناخية والملوحة والجفاف، فضلًا عن ارتفاع إنتاجيتها وجودتها.
كما تم تسجيل خمسة أصناف وهجن من البطيخ تتفوق بدورها على الهجن المستوردة، إلى جانب استنباط نحو سبعة هجن من الباذنجان، وخمسة هجن من الكنتالوب ذات إنتاجية عالية وقادرة على تحمل الآثار السلبية للتغيرات المناخية.
وبيَّن أن الدولة كانت تستورد سنويًا نحو 87 مليون بذرة من تقاوي الكنتالوب، وفق إحصاءات لجنة تقاوي الحاصلات الزراعية لعام 2018، لكن البرنامج الوطني نجح في خفض فاتورة الاستيراد وتقليص كميات التقاوي المستوردة من هذا الصنف، ولم يقتصر النجاح على ذلك، بل شمل أيضًا تربية وإنتاج أربعة أصناف من البسلة والفلفل الحلو واللوبيا، أثبتت تفوقًا ملحوظًا في المحصول والجودة مقارنة بالأصناف المستوردة من الخارج.
وأشار إلى أن المشروع يستهدف كسر حدة المنافسة الشرسة في السوق السوداء، موضحًا أنه في ظل الأزمات والكوارث العالمية تميل الدول إلى الانغلاق على نفسها ووقف عمليات الاستيراد والتصدير، كما حدث خلال جائحة كورونا، وهو ما دفع القيادة السياسية إلى العمل على توفير جميع مستلزمات الإنتاج الزراعي، وعلى رأسها التقاوي اللازمة للزراعة، وأكد أنه حتى الآن تم تسجيل نحو 28 صنفًا وهجينًا من الخضر مقاومة للتغيرات المناخية، والأمراض الفيروسية، والآفات الحشرية، إضافة إلى كونها موفرة للمياه، وقصيرة دورة الحياة، ومقاومة للأمراض النباتية، بما يعزز الإنتاجية ويحد من الخسائر.
وأضاف أن من أبرز النجاحات التي حققها البرنامج الوطني لإنتاج التقاوي هو إيجاد حلول لمشكلات ومعوقات كانت تعرقل زراعة الفول البلدي (الحراتي) ومحاصيل أخرى على مستوى الجمهورية، خاصة مشكلة حشيشة الهالوك التي تدمر الأصناف الحساسة من النبات وتؤدي إلى خسائر فادحة في المحصول.
وأوضح أنه تم إنتاج سلالات جديدة مقاومة للهالوك، مثل "مصر 1" و"مصر 2" و"مصر 3" و"مصر 4"، بالإضافة إلى تسجيل صنف "سخا 5" الذي أنتج نحو 25 طنًا من تقاوي الأساس، مع وجود صنف "سخا 6" قيد التسجيل حاليًا، وهو ما يساهم في خفض تكاليف الإنتاج وتقليل فاتورة الاستيراد.
الدكتور محمد يوسف أستاذ الزراعة والمكافحة الحيوية كلية الزراعة جامعة الزقازيق