وكيل معهد القطن: غياب الرقابة وخلط الأصناف وتلوث السلالات تسبب في توقف صادرات القطن لـ10 سنوات
القرار يحافظ على السلالات ويمنع الخلط الذي أضر بسمعة القطن عالميًا
تطوير المحالج وربطها بالباركود يرفع القيمة السوقية للقطن المصري عالميًا
استراتيجية الدولة للقطن ترتكز على 3 محاور: الزراعة والتسويق والتصنيع
حملات إرشادية وتفتيش حقلي لمواجهة الغش وضمان نقاء السلالات
منظومة التداول والتسويق منذ 8 سنوات تؤمن المزارعين من خسائر الأسعار العالمية
وكيل معهد القطن: لا نجاح للمنظومة دون سعر ضمان يحقق الأمان للمزارع
فى إطار الجهود المبذولة فى الحفاظ على جودة ومكانة القطن المصرى عالميا، أصدر وزير الزراعة واستصلاح الأراضى علاء فاروق، القرار رقم 426 لسنة 2025، الذى يضع ضوابط صارمه على عمليات الحلج والتخزين، بهدف منع تداول الأصناف غير المرخصة وضمان التزام المحالج بالمعايير المقررة، بالإضافة إلى منع تخزين أى أصناف قطن أو نواتجها غير مطابقة للصنف المصرح بحلجه.
وأكد الدكتور مصطفى عمارة، وكيل معهد بحوث القطن للإرشاد والتدريب والمتحدث الإعلامي للمعهد، خلال حوار مع «عالم المال» أن القرار يمثل خطوة مهمة في الحفاظ على نقاء القطن المصري وحمايته من الخلط الوراثي الذي كان سببًا رئيسيًا في تراجع الصادرات خلال سنوات سابقة، مشيرًا إلى أن تطبيقه يضمن الحفاظ على السلالات النقية وإنتاج بذور مطابقة للصنف، وهو ما يعزز سمعة القطن المصري في الأسواق العالمية... وإلى نص الحوار
فى البداية حدثنا عن الهدف الأساسي من قرار حظر حلج الأقطان غير المرخصة؟
القرار يستهدف تنظيم عملية الحفاظ على نقاء القطن المصري وجودته، من خلال وضع ضوابط دقيقة تبدأ بالخريطة الصنفية وتحديد مناطق الإكثار، وصولًا إلى تخصيص محلج لكل صنف، فلا يُسمح بحلج أكثر من صنف داخل المحلج الواحد، ولا يجوز إدخال الأقطان المخالفة أو الأجنبية مثل "الأبلاند" إلى دورة الحليج.
هذه المنظومة تضمن أن يظل كل صنف مرتبطًا بمنطقته المحددة، فعلى سبيل المثال إذا زُرع صنف "سوبر جيزة 97" في محافظة المنوفية، فإنه لا يُحلج إلا في المحلج المخصص له، دون السماح بخلطه بأصناف أخرى من محافظات مختلفة، والهدف من ذلك حماية البذور من أي خلط وراثي، بما يضمن نقاوتها عند زراعتها في الموسم التالي.
وبالتالي يحافظ القرار على التركيب الوراثي للأصناف المصرية ويمنع تلوثها، ما يضمن إنتاج محصول متجانس بمواصفات جودة عالية، ويجنب الصناعة مشكلات التصنيع الناتجة عن تفاوت الخامات، ويعزز في النهاية من سمعة القطن المصري عالميًا باعتباره قطنًا فريدًا وموحد المواصفات.
كيف يسهم القرار في حماية جودة القطن المصري وسمعته عالميًا؟
يسهم القرار بشكل مباشر في تعزيز جودة القطن المصري والحفاظ على سمعته المميزة في الأسواق العالمية، فقد عانت مصر في فترة ما بين عام 1994 (مع تحرير التجارة العالمية) وحتى 2015 من أزمة خطيرة، بسبب غياب الرقابة على الزراعة والتسويق والحليج، ما أدى إلى حدوث خلط وراثي بين الأصناف وتلوث في السلالات، وكانت النتيجة أن شحنات كاملة من القطن المصري تم رفضها وإعادتها من الخارج، نظرًا لغياب المواصفات الموحدة للجودة، حتى أن عامي 2015 و2016 شهدا توقفًا شبه كامل للصادرات.
اليوم، بفضل قرار حظر حلج الأقطان غير المرخصة، والقرارات المكملة له مثل قرار الخريطة الصنفية، وتحديد مناطق الإكثار، وتنظيم الحليج والتسويق، أصبح من الممكن ضمان نقاء الأصناف، والحفاظ على المواصفات الوراثية لكل صنف، هذا يضمن للمستوردين الحصول على قطن متجانس عالي الجودة، ويعزز ثقتهم في المنتج المصري، ما ينعكس على زيادة التسويق الخارجي ورفع القيمة العالمية للقطن المصري بوصفه قطنًا متميزًا وفريدًا لا يقبل المنافسة.
ما الدور المتوقع من معهد بحوث القطن في متابعة تنفيذ قرار حظر حلج الأقطان غير المرخصة؟
دور معهد بحوث القطن يبدأ قبل القرار نفسه بمراحل طويلة، حيث يعمل المعهد على استنباط وإنتاج أصناف وسلالات جديدة سنويًا، تتميز بتلبية احتياجات السوق المحلية والدولية، وتحقق في الوقت نفسه هامش ربح مناسب للمزارع والتاجر نظرًا لجودتها العالية ومواصفاتها المطلوبة عالميًا.
ويتحمل قسم بحوث التربية وقسم بحوث المحافظة على الأقطان المصرية والتقييم الإقليمي مسؤولية كبرى في هذه المرحلة، إذ يقوم العلماء والباحثون بمتابعة الحقول منذ مرحلة الزراعة، ورصد أي نباتات غريبة أو مخالفة للصنف الأصلي، ليتم استئصالها فورًا حفاظًا على النقاوة الوراثية للأصناف، ويتم ذلك عبر حملات إرشادية وتفتيش حقلي دوري بالتعاون مع الإدارة المركزية لإنتاج التقاوي.
وكيف يواجه المعهد محاولات خلط الأقطان خلال عمليات التسويق والجني؟
في مرحلة التسويق والجني، يتدخل المعهد لمواجهة محاولات بعض التجار خلط الأصناف والسلالات بحجة فروق الأسعار، وهو ما كان يمثل تهديدًا لنقاوة القطن المصري، وللتغلب على هذه المشكلة، أُقرت سياسة سعرية جديدة تضمن تقارب أسعار الأصناف، ما حدّ من دوافع الغش والخلط، وساعد على ضبط السوق بشكل أكبر.
ما دور المعهد أثناء توريد الأقطان للمحالج والشون؟
خلال مرحلة التوريد، يقوم خبراء معهد القطن بالشراكة مع هيئة اختبارات وتحكيم القطن بمراجعة الأقطان الواردة للشون والمحالج، ويتم فحص الأكياس والتأكد من أن مواصفات اللوزة والبذرة مطابقة للصنف المعتمد، فإذا وُجدت مخالفة، يتم استبعاد هذه الأقطان من الحلج كتقاوي، وتُحول بدلاً من ذلك إلى قطن تجاري، حفاظًا على السلالات من الخلط الوراثي.
وكيف يتعامل المعهد مع الأصناف والسلالات المختلفة داخل المحالج؟
هنا يأتي دور القرار الوزاري الذي خصص محلجًا لكل صنف، ففي حالة وجود سلالات قديمة وأخرى حديثة ضمن الصنف الواحد، يتم حلج كل سلالة بشكل منفصل، مع إجراء عملية "تشطيبة" وهي تنظيف شامل للمحلج وقنواته ومخازنه من أي بقايا للبذور السابقة قبل إدخال السلالة الجديدة، والهدف هو منع أي اختلاط بين السلالات المختلفة.
وبعد ذلك، تمر الأقطان بمرحلة اختبارات دقيقة تشمل الجودة، القيمة الزراعية، ونسب الإنبات، ليتم اعتمادها كتقاوي معتمدة نقية "بيور" توزع سنويًا على المزارعين، وفق القرارات الوزارية المنظمة لهذا الشأن.
هل هناك خطط مستقبلية لتطوير المحالج بما يواكب قرارات ضبط السوق؟
تطوير المحالج يُمثل محورًا أساسيًا ضمن الخطة الطموحة التي وضعتها الدولة المصرية في إطار استراتيجيتها الشاملة لتطوير ملف القطن، هذه الاستراتيجية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية هي: الزراعة، والتسويق والتجارة، ثم التصنيع.
فيما يخص محور التصنيع، تُعد عملية الحليج هي الخطوة الأولى، وقد قطعت الدولة شوطًا كبيرًا في هذا المجال من خلال تقليص عدد المحالج الحكومية من 25 محلجًا قديمًا إلى 9 محالج كبرى فقط، مع إعادة تطويرها بما يتناسب مع أحدث التكنولوجيات العالمية، هذا التطوير ساهم في رفع كفاءة المحالج لتستوعب كميات أكبر من الأقطان في وقت أقل، مع إنتاج بالات عالية الجودة خالية من الملوثات والعيوب، وهو ما يرفع من قيمتها السوقية داخليًا وخارجيًا.
كما جرى إدخال نظام "الباركود" على بالات القطن، وهو بمثابة بطاقة تعريفية رقمية تتضمن خط سير القطن منذ بداية الزراعة، مرورًا بعمليات التداول والتسويق، وحتى مراحل الحليج، بما يتيح تتبع كل التفاصيل الخاصة بالمحصول، هذه الخطوة عززت من ثقة الأسواق الخارجية في القطن المصري، حيث أصبح بالإمكان التأكد من مطابقة اللوطات للمواصفات القياسية الدولية.
الدولة استثمرت مبالغ ضخمة في هذا الملف، ليس فقط لتطوير المحالج، وإنما لربطها بمنظومة الغزل والنسيج ومصانع الملابس الجاهزة، بما يجعل الصناعة المصرية قادرة على المنافسة عالميًا ويضمن للقطن المصري مكانته التاريخية المتميزة.
كيف ستؤثر هذه الإجراءات على المزارعين وسوق القطن المحلي؟
أي تطوير في ملف القطن أو أي محصول زراعي آخر لا يمكن أن ينجح من دون وضع المزارع المصري في قلب المنظومة، لأن إهمال مصالحه يعني نتائج عكسية وفشل في تحقيق الأهداف المرجوة.
فمع تطوير آليات الزراعة، والتسويق، والتصنيع، تظل نقطة الحسم هي توفير سعر وضمانات تحمي المزارع من تقلبات السوق، المزارع يحتاج أن يشعر بالأمان قبل بداية موسم الزراعة عبر إعلان أسعار ضمان واضحة بوقت كافٍ، حتى يستطيع أن يحدد قراره فى زراعة المحاصيل.
حيث المزارع المصري أشبه بوزير اقتصاد يدير أرضه، ومن ثم فإن تشجيعه على زراعة القطن يتطلب وضع سعر ضمان مربح يحقق له هامش ربح جيد، مع توفير آليات تسويق تحميه من تقلبات الأسعار، سواء بسبب استغلال التجار أو تراجع الأسعار العالمية أو ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج، أحد الحلول المطروحة هو إنشاء صندوق لموازنة الأسعار، بحيث يعوض المزارع في حالة انخفاض الأسعار، بينما يستفيد من ارتفاعها.
وبالفعل الدولة بدأت في هذا الاتجاه، ومنظومة التداول والتسويق المستمرة منذ 8 سنوات تؤدي هذا الدور، والدليل أن أسعار الضمان في الموسم الماضي كانت أعلى من الأسعار العالمية بحوالي 2000 جنيه، والتزمت الدولة بدفع الفارق لصالح المزارعين رغم التوترات الإقليمية والظروف الاقتصادية التي تسببت في تأخير صرف بعض المستحقات، وهو ما سيتم تلافيه هذا العام بإدراجها.
وبالتالي، فإن نجاح هذه الإجراءات في حماية المزارع وضمان سعر عادل سيؤدي بالضرورة إلى زيادة المساحات المزروعة بالقطن أضعافًا مضاعفة، أما في حال غياب تلك الضمانات فستكون النتيجة عكسية بانخفاض المساحات.