الدكتور فيصل يوسف أستاذ تكنولوجيا البذور بمعهد المحاصيل الحقلية:
مساحة المحاصيل الزيتية لا تتجاوز 274 ألف فدان بما يعادل 3% من الأراضي الزراعية
الاكتفاء الذاتي من الزيوت النباتية بلغت 21.8%.. والفجوة تقدر بـ1.342 مليون طن
زيت النخيل يمثل 55.2% من إجمالي استهلاك الزيوت النباتية بنحو 946.8 ألف طن
605.3 ألف طن زيت نخيل تستخدم في الصناعات الغذائية و331.8 ألف طن للطعام
تعزيز الإنتاج يحتاج لزيادة المساحات المزروعة وتحسين البذور وتشجيع الاستثمار
نسبة الاكتفاء المحلي من زيت دوار الشمس 5.9% وفول الصويا يغطي 8.3% من الفجوة
تحمل الكانولا للملوحة يجعله مناسبًا للأراضي المستصلحة والفدان ينتج 350 كجم زيت
يعاني إنتاج الزيوت النباتية في مصر من فجوة كبيرة بين حجم الإنتاج المحلي ومعدل الاستهلاك المتزايد، مما يضع ضغوطًا مستمرة على الاقتصاد ويجعل السوق المحلية يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، هذه الفجوة لا تنشأ فقط بسبب محدودية المساحات المزروعة بالمحاصيل الزيتية، بل تمتد لتشمل ارتفاع الطلب المتزايد، وتعقيدات تسويق المحاصيل، واعتماد السوق على أنواع زيوت مستوردة مثل زيت النخيل ودوار الشمس وفول الصويا.
في هذا الحوار يسلط الدكتور فيصل يوسف، أستاذ تكنولوجيا البذور بمعهد المحاصيل الحقلية، الضوء على أبرز التحديات التي تواجه إنتاج الزيوت النباتية في مصر، كما يستعرض الحلول الممكنة لتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات.
وإلى نص الحوار..
في البداية.. ما أبرز التحديات التي تواجه الدولة في إنتاج الزيوت النباتية؟
التحديات الرئيسية تتعلق بمحدودية الإنتاج المحلي مقارنة بارتفاع الاستهلاك، وعلى سبيل المثال، المساحة المزروعة بالمحاصيل الزيتية لا تتجاوز 274 ألف فدان، أي حوالي 3% فقط من إجمالي المساحة الزراعية، ما يؤدي إلى انخفاض كبير في إنتاج الزيت الخام من هذه البذور.
هل هذه المحدودية في المساحة المزروعة السبب الوحيد لهذه المشكلة؟
بالطبع لا، فهناك أسباب أخرى منها ارتفاع معدل استهلاك الزيوت النباتية في مصر. ففي الفترة من 2008 إلى 2023، شهد استهلاك الفرد زيادة مستمرة؛ ففي عام 2012 كان متوسط الاستهلاك حوالي 7.8 كيلوجرام، بينما وصل في 2023 إلى نحو 23.4 كيلوجرام، وهذه الزيادة الكبيرة تضيف ضغطًا إضافيًا على الإنتاج المحلي.
وهل هناك أسباب أخرى تسهم في تفاقم المشكلة؟
نعم هناك تحدٍ آخر يتعلق بتسويق المحاصيل الزيتية، فهي محاصيل تصنيعية، ما يعني أن المزارعين لا يستطيعون تسويقها بأنفسهم، بل يحتاج الأمر إلى تدخل جهات متخصصة أو أجهزة تنظيمية لتسهيل وصول المحاصيل إلى السوق بشكل فعال، وهذا جعل استيراد الزيوت النباتية من الخارج ضروريًا، وهو ما يزيد العبء على الاقتصاد.
لماذا لم تستطع مصر رفع إنتاجها لمواجهة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك؟
على العكس الإنتاج زاد بالفعل خلال الفترة من 2018 إلى 2021، حيث بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي نحو 21.8%، أي حوالي 373 ألف طن من الزيت، لكن هذه النسبة تبقى ضئيلة إذا نظرنا إلى الإنتاج المحلي الحقيقي، وفي الواقع فإن من بين 373 ألف طن، هناك فقط 69 ألف طن تنتج من بذور محلية، أما الباقي وهو حوالي 304 آلاف طن يأتي بالاستيراد، إذا حسبنا نسبة الاكتفاء الذاتي بناءً على البذور المحلية فقط، فإنها لا تتجاوز 4% فقط.
لكن هذا يعني أن مصر تعتمد بشكل كبير على استيراد بذور الزيت رغم زيادة الإنتاج.. وهذا يدفعنا للتساؤل عن الحلول؟
فالفجوة الزيتية في مصر، أي العجز بين الاستهلاك والإنتاج المحلي، تصل إلى نحو 1.342 مليون طن من إجمالي الاستهلاك البالغ حوالي 1.715 مليون طن، مما يعكس اعتمادًا كبيرًا على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق، أما عن الحلول فتتطلب استراتيجيات شاملة، مثل زيادة المساحات المزروعة بالمحاصيل الزيتية، تحسين إنتاج البذور المحلية، وتشجيع الاستثمارات في صناعة الزيوت النباتية داخل مصر.
ما أهم الزيوت التي يتم استيرادها وأيضا الأكثر استهلاكًا؟
زيت النخيل أبرز الزيوت النباتية في مصر، حيث يمثل المرتبة الأولى من حيث الاستهلاك. متوسط استهلاك زيت النخيل بلغ نحو 946.8 ألف طن، أي حوالي 55.2% من إجمالي استهلاك الزيوت النباتية البالغ 1.715 مليون طن، وهذا الزيت يغطي 70.5% من الفجوة الزيتية، أي نحو 1.342 مليون طن، ما يعكس اعتماد السوق بشكل كبير عليه لتغطية احتياجاته، نظرًا لمحدودية الإنتاج المحلي من الزيوت الأخرى.
كم تقدر الكمية المستخدمة منه في الصناعات الغذائية؟
هناك فرق بين الكميات المستخدمة في الصناعات الغذائية، والأخرى المستخدمة في الطعام مباشرة، وفي المتوسط، يستهلك حوالي 605.3 ألف طن من زيت النخيل في الصناعات الغذائية، ما يمثل 63.9% من إجمالي الكميات المستهلكة من زيت النخيل في مصر. بينما يتم استهلاك نحو 331.8 ألف طن في الغذاء، أي حوالي 35% من إجمالي استهلاك زيت النخيل، و19.3% من إجمالي استهلاك الزيوت النباتية في مصر.
هل تنتج مصر أي كمية من زيت النخيل؟
للأسف مصر لا تنتج أي كمية من زيت النخيل محليًا، وبالتالي لا تحقق أي نسبة من الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، وتعتمد بشكل كامل على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق، كما أن السوق المصرية تعتمد بشكل كامل على زيت النخيل المستورد لتغطية الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي، ما يظهر حجم الاعتماد الكبير على الاستيراد في هذا القطاع. وهذا يشير إلى أهمية معالجة هذه الفجوة من خلال تحسين الإنتاج المحلي وتطوير استراتيجية مستدامة لتقليل الاعتماد على الواردات.
ماذا عن زيت دوار الشمس وفول الصويا؟
بعد استبعاد زيت النخيل الذي يشكل 70.5% من الفجوة الزيتية، يتبقى العمل على تغطية الـ29.5% المتبقية، والتي تشمل الزيوت النباتية الأخرى، مثل: زيت دوار الشمس وزيت فول الصويا.
أما زيت دوار الشمس فيمثل حوالي 19.2% من حجم الفجوة الزيتية في مصر، أي ما يعادل نحو 257.8 ألف طن من العجز، ومن حيث الاكتفاء الذاتي، تقدر النسبة بنحو 5.9% فقط، حيث يُنتج محليًا حوالي 16 ألف طن، بينما يصل جملة استهلاك زيت دوار الشمس في مصر إلى حوالي 274 ألف طن.
وبالنسبة لزيت فول الصويا يمثل حوالي 8.3% من حجم الفجوة الزيتية في مصر، أي حوالي 110 آلاف طن من العجز. ومع ذلك، تحقق مصر نسبة اكتفاء ذاتي من زيت فول الصويا تقدر بنحو 73%، أي أن الإنتاج المحلي يبلغ حوالي 294 ألف طن. لكن يجب التنويه إلى أننا أحيانًا ننتج الزيوت من بذور مستوردة، حيث يُنتج محليًا حوالي 39 ألف طن فقط من بذور فول الصويا، بينما يتم استخدام نحو 1.687 مليون طن من بذور فول الصويا في الصناعة، ورغم أن الاكتفاء الذاتي من زيت فول الصويا يبدو مرتفعًا، إلا أن الإنتاج المحلي من بذوره منخفض، مما يعني أننا لا نحقق اكتفاءً كاملاً في هذا القطاع أيضًا.
هل هناك حلول يمكن أن تسهم في سد الفجوة؟
هناك عدة حلول يمكن تنفيذها لتحسين الإنتاج المحلي للزيوت النباتية، وهي تتطلب تبني تقنيات جديدة وإجراءات عملية على مستوى الزراعة والسياسات الحكومية.
ويمكن لمصر التوسع في زراعة محصول الكانولا، الذي يتميز بقدرته على تحمل مستويات عالية من الملوحة تصل إلى حوالي 7000 جزء في المليون. هذه الميزة تجعل الكانولا خيارًا مثاليًا للزراعة في الأراضي المستصلحة غير المناسبة للمحاصيل الشتوية التقليدية.
وفي كندا، يمثل زيت الكانولا 63% من إجمالي الزيوت النباتية، وتبلغ نسبة الزيت في بذرة الكانولا حوالي 40% الفدان الواحد يعطي نحو 900 كجم من البذور، أي ما يعادل تقريبًا 350 كجم من الزيت، مما يوفر كمية كبيرة من الزيت في مساحة محدودة.
كما يمكن زيادة الإنتاج المحلي من زيت دوار الشمس من خلال زراعته على المساحات المزروعة بالطماطم في العروة الصيفية، على سبيل المثال.
وأيضا يمكن تخصيص 200 ألف فدان من الطماطم بنسبة 40% لزراعة دوار الشمس. ومن خلال هذا النظام، يمكن لكل فدان إنتاج حوالي 600 كجم من بذور دوار الشمس، مما ينتج حوالي 240 كجم من الزيت لكل فدان. وبهذا الأسلوب، يمكن إنتاج 48 ألف طن زيت من إجمالي المساحة، لتغطية جزء كبير من احتياجات السوق من زيت دوار الشمس دون الحاجة لإضافة مساحات جديدة، ما يقلل من التنافسية مع المحاصيل الصيفية الأخرى.
في النهاية على هناك إجراءات لتعزيز إنتاج الزيوت النباتية؟
من أهم الإجراءات التي يمكن أن تنجح هي تبني الدولة لنظام الزراعة التعاقدية، حيث تضمن الدولة التعاقد مع المزارعين لشراء المحاصيل الزيتية مثل دوار الشمس والكانولا بأسعار عادلة، ما يوفر الاستقرار للمزارع ويحفز زيادة الإنتاج المحلي.