بمنطقة المكس، اعتاد عادل السبعيي (68 عامًا)، أن يلقي بشباكه ويعود بمحصول وفير. يزعم الصياد السبعيني أن المياه المالحة قد غمرت الأراضي المنخفضة، حتى غرق المرفأ تدريجيًا، إضافة إلى إهمال الإصلاح، بينما أصبحت مهنته مهددة بالاندثار.
على بُعد كيلومترات، بمنطقة بحري، تدير نجلاء فريد (52 عامًا) بازارًا لبيع الهدايا التذكارية، ورثته عن أبيها. بالسنوات الأخيرة، لاحظت تسلّق المياه حوائط محل أكل عيشها، "الأساسات بتضعف، وبقينا خايفين نضطر نمشي من المكان"، تقول "نجلاء". تحاول السيدة مداواة شروخ متجرها العتيق بمواد عازلة "دون جدوى"، حسب وصفها.
يعمل علاء حسن (31 عامًا) بمشروع تسربت المياه إلى أساساته وسببت تآكلًا بالخرسانة، بسيدي بشر. يدّعي المهندس المدني مواجهته وفريقه مشكلات بسبب ارتفاع المياه الجوفية، بينما يتواجد بالمدينة آلاف البنايات المهددة بالغرق وسط حلول مكلفة وتخطيط غير متناسق.

الإسكندرية توشك على الغرق.. وتنهار!
في آخر فبراير الماضي، شهدت منطقة باكوس بحي شرق الإسكندرية انهيار بناية دون حدوث إصابات عقب إخلائها من قاطنيها، بينما في الثالث من أبريل الماضي انهار عقار بحارة النخلة في منطقة بحري مخلفًا مصرع أم وأطفالها الثلاثة، فيما أصيب الأب بجروح بالغة.
وإثر انهيار عقار حارة النخلة بيوم واحد، في الرابع من الشهر الماضي (أبريل/نيسان)، انهارت بناية بشارع إسماعيل صبري بحي الجمرك في الإسكندرية، دون إصابات، وبعد نحو أسبوع في 11 من الشهر الماضي، سقط عقار بشارع السبع بنات بمنطقة اللبان بحي الجمرك.
توقعات تكتم الأنفاس
حسب دراسة حديثة، اشترك في إنتاجها الدكتور عصام حجي، الأستاذ بكلية فيتربي للهندسة بجامعة كاليفورنيا الجنوبية والمحاضر بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وعضو الفريق البحثي بمعمل محركات الدفع النفاث بوكالة ناسا الأمريكية، توقعت غرق الإسكندرية جزئيًا وانهيار ما يقرب من 7 آلاف عقار بحلول عام 2050، لا سيما مع واجهة المدينة البحرية التي يبلغ طولها 70 كيلومتر.
شكك البعض في دافع الدراسة، بينما أكدت أبحاث أخرى على نتائجها.
فما الأمر؟
حسب الدراسة، شهدت الإسكندرية على مدى العقدين الماضيين أكثر من 280 انهيارًا لمبانٍ قُرب شواطئها، بمناطقها القديمة بالعامرية والغرب والجمرك والوسط والشرق والمنتزه. جمعت الدراسة قاعدة بياناتها للمباني المنهارة جزئيًا وكليًا، من زيارات المواقع الـ6 القديمة والتقارير الحكومية والبيانات المنشورة لشركات البناء الخاصة وأرشيف الأخبار، ما بين عامي 2001 و2021.
يتعمّدون إحراج السُلطة وإرعاب الناس
الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، يقول إن الدراسة تتضمن مغالطات كبيرة، واصفًا نتائجها بـ"المبالغ فيها"، لاعتمادها، حسب وصفه، على معطيات غير دقيقة.
ويضيف "شراقي" أن عدد المباني المنهارة بالمدينة طوال 20 عامًا ناهز 290 عقارًا، واصفًا له بـ"رقم ضئيل" مقارنة بأكثر من نصف مليون بناية قائمة بالإسكندرية، ذاكرًا أن معظم المباني المنهارة "قديمة"، كما أن بعض قرارات الإزالة لم تُنفَّذ لأسباب اجتماعية واقتصادية، وليس بسبب التغير المناخي.
"شراقي" يبيّن أن المباني قُرب الشاطئ لم تتأثر كما تزعم الدراسة، بينما العقارات المنهارة داخل المدينة، كما شكّك في دقة خرائط الدراسة، مصرّحًا بتعديلها ببرامج تحرير الصور كـ"فوتوشوب" و"GIS" وليست ملتقطة بالأقمار الصناعية، إذ لم تكن أقمار صناعية في 1887، "ما يضع علامات استفهام حول مصداقية المعلومات"، يقول "شراقي".
وحول ربط الدراسة بين تآكل الشواطئ وبناء السد العالي، يذكر "شراقي" أن الربط "غير دقيق"، فالطمي المتراكم لم يكن عاملًا وحيدًا يحمي الشواطئ من التآكل، كما أن مناطق مثل رأس البر ورشيد، لم تشهد تآكلًا واسعًا، إذ اقتصر التأثير على 100-200 متر فقط، في حين ظل كورنيش الإسكندرية كما هو منذ خمسينيات القرن الماضي دون تغيير يُذكر.
ويوضح الخبير الجيولوجي أن المدينة بُنيت منذ عهد الإسكندر الأكبر فوق حاجز صخري مرتفع، ما جعلها في مأمن من الغرق أو الانهيارات، مضيفًا أن الإسكندرية ترتفع بين 5 و30 مترًا فوق سطح البحر، وذلك يدحض مزاعم انهيارها بشكل كارثي.
وعن تأثير التغير المناخي، يقرّ "شراقي" بوجود تأثيرات طفيفة على البيئة العمرانية، ويضيف أنه ليس عاملًا حاسمًا في انهيار المباني، إذ إن فساد مواد البناء والمخالفات الهندسية وغياب الالتزام بالمواصفات الفنية كلها عوامل أخرى، في ظل انتشار مئات الآلاف من مخالفات البناء بالإسكندرية والبحيرة، حسب تصريحه.
ويذكر "شراقي" أن الدراسة استندت إلى حقائق وبالغت في استنتاجاتها، مشيرًا إلى أن التغير المناخي ظاهرة عالمية، لكن التهويل في تأثيره على الإسكندرية يفتقر للدقة العلمية، مُرجعًا ذلك إلى تعمد الباحثين إحراج "السلطة" بمصر ونشر الذعر بين الناس.
للاستماع إلى تصريحات الدكتور عباس شراقي (اضغط/ي)
في المواجهة.. حق الرد
الدكتور عصام حجي، يقول إن دراسته ليست تهويلًا إعلاميًا، بل جهد علمي لفريق بجامعات الإسكندرية وميونخ وكاليفورنيا وكولومبيا ووكالة ناسا ومعهد علوم البحار التونسي، لفهم الأزمات العمرانية بالمدن الساحلية، ووضع حلول قائمة على بيانات دقيقة.
ويضيف العالم المصري بوكالة "ناسا"، أن الدراسات لم تقتصر على الإسكندرية فقط، بل شملت مدنًا عربية وأجنبية من بينها تونس وليبيا وقطر والبحرين وكاليفورنيا، وقُوبلت بترحيب المسئولين للإفادة منها بجهود الحماية والتطوير العمراني.
باحث كندي متابع لدراسات التغير المناخي يحلل دراسة "حجي" ويقدم مفهومًا شاملًا لفهم التغيرات المناخية ويناقش الحلول التي قدمها البحث
ويذكر "حجي" أن البحث يلفت نظر الحكومة -بعد أخذه بالاعتبار- إلى تحديد حجم خسائر التغير المناخي المتكبدة، ومطالبة المجتمع الدولي بالتعويضات عما يصيب المدينة التاريخية، مشيرًا إلى أن مصر، من قبل، دعت لإيجاد منظومة للتغير بالدول الأفريقية والبلدان النامية.
"الأبحاث المنشورة بمجلات مثل Earth’s Future لا تُقبل دون مراجعة علمية صارمة من جهات محايدة"، يقول "حجي"، مبينًا أن تقليل خطورة ما توصلت إليه الدراسة قد يعزل الإسكندرية عن التضامن العربي والدولي بمواجهة أزمة مناخية تمس المدن الساحلية بجنوب المتوسط.
يوضح "حجي" أن الدراسة لم تُغفل جهود الدولة في حماية السواحل، ولم تُحمّل الحكومة مسئولية، وإنما جاءت الدراسة لتوعية المجتمع بخطورة الأزمة، مضيفًا: "لا ينبغي إسكات صوت علمي وطني صادق يطرح أزمة عمرانية وبيئية تمس حياة الناس بواحدة من أعرق المدن المتوسطية".
وذكر أن الهجوم على الدراسة بدعوى المبالغة إنما يتجاهل التقارير الحكومية والرسمية المستندة إليها، وآخرها ما ورد في إحاطة برلمانية تؤكد وجود أكثر من 6 آلاف عقار مهدد بالإزالة في الإسكندرية، فضلًا عن تقارير رسمية تتحدث عن 300 ألف مبنى مهدد بالانهيار بالمدينة.
ويلفت "حجي" إلى أن الدراسة حددت طبيعة المباني المنهارة ومواقعها، بالبيانات الرسمية الموثقة وصور الأقمار الصناعية والخرائط الطبوغرافية ونماذج التحليل باستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) وتبيّن وقوع غالبية العقارات المنهارة والمهددة بأحياء أقرب للشاطئ.
"درنة مش بعيدة عننا، ودي مدينة في وسط الصحرا، ودمرها الإعصار دانيال، بينها وبين مطروح وإسكندرية.. مفيش. الموضوع ممكن كان يبقى عندنا"، يقول "حجي".
للاستماع إلى جزء من تصريحات الدكتور عصام حجي (اضغط/ي)
الخطر ليس وليد اللحظة
الدكتور صابر عثمان، خبير التغيرات المناخية ورئيس مجلس أمناء مؤسسة مناخ أرضنا للتنمية المستدامة، يقول إن التحذير من المخاطر المناخية على الإسكندرية ليس وليد اللحظة وسبقه إسهامات علمية مصرية وعالمية، من أبرزها دراسات الدكتور محمد الراعي، التي ناقشت السيناريوهات المناخية المتوقعة للإسكندرية والدلتا.
وفي ظل سيناريو ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية المؤدي لارتفاع منسوب سطح البحر، توقع "عثمان" وصول الزيادة إلى متر واحد بحلول 2100، ما يزيد شدة موج البحر وارتفاع المياه الجوفية وزيادة تملح التربة.
ويضيف "عثمان" أن نتائج دراسة "حجي" جرى الاستشهاد بها بالعديد من التقارير الدولية، ومنها تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، ما يعد اجماعًا علميًا ودوليًا على جدية المخاطر المحدقة بالمدينة الساحلية، كما يرى.
وبالحديث عن عدد العقارات التي توقعت الدراسة انهيارها بالمدينة، يرى "عثمان" أنها تستند إلى نماذج تحليلية مبنية على بيانات متاحة محليًا وتقارير رسمية، ولكنها تعتمد على "سيناريو متشائم" يفترض أسوأ الاحتمالات.
"الدراسة تقر بتفاوت جودة البيانات المحلية، ما يشير إلى أن الرقم تحذيري أكثر منه توقعًا"، يقول "عثمان"، ويضيف: "في ظل غياب مسح ميداني شامل، يبقى الرقم محل تقدير نسبي، ويجب التعامل معه كأداة تنبيه علمي وليس كحكم نهائي".
الخبير المناخي يؤكد أن الدراسة كشفت أن تغيّر المناخ عامل محفز أو مسرّع، ولكن جذور الأزمة أعمق تعود لإخفاق التخطيط وإهمال الحوكمة الحضرية، مستدلًا بمبانٍ أخرى بالكورنيش ما زالت صامدة، لمراعاة طبيعة المكان ودراسة المخاطر المتوقعة عند تصميمها وتنفيذها.
التقرير يطرح السؤال التالي:
هل “التأمين” حل لاحتمالية خطر غرق الإسكندرية؟
تواصلت «عالم المال» مع رئيس الاتحاد المصري للتأمين علاء الزهيري، للتعليق على توقعات "شبه مؤكدة" بالخطر المحدق بالمدينة الساحلية التاريخية، لا سيما بعد إعصار دانيال الذي ضرب مدينة درنة الليبية في قلب الصحراء وتسبب بمقتل وفقدان نحو 11 ألف شخص فضلًا عن خسائر الممتلكات والبنية التحتية.
تم طرح السؤال على رئيس اتحاد التأمين، عن الإستراتيجيات التي يمكن أن يقدمها القطاع للتكيف مع تلك الحوادث غير البعيدة عن مصر وشبه المحققة، إلا أن "الزهيري" رفض التعليق، وله كامل الحق إن أراد التعقيب فيما بعد.
وبسؤال الخبير التأميني وليد سيد مصطفى، قال إن التأمين ضد الكوارث الطبيعية ليس وليد اللحظة بالإسكندرية وبعض البلدان الأخرى في مصر التي تشبه المدينة الساحلية، لا سيما بعد التغيرات المناخية الطارئة غير المتوقعة كالعواصف والأعاصير.
وعن توقع الغرق الجزئي للإسكندرية بحلول 2050، ذكر "مصطفى" أن "التأمين احتمالي"، ولا يمكن للشركات تغطية أخطار منفية أو مؤكدة، مضيفًا أن الإكتواريين لا يمكنهم القول إن غرق المدينة محقق، حتى لو أكدته دراسة علمية معتبرة، إلا أنها ستؤخذ في الحسبان أثناء تحديد أقساط التأمين ومدى تحمل العملاء للخسائر، لارتفاع نسبة الخطر.
يزعم "مصطفى" أن مؤسسات الدولة لديها من الوعي بمخاطر التغير المناخي "قدرًا كافيًا"، مشيرًا إلى بناء مصدات للشواطئ منذ نحو سنتين، إضافة إلى إصلاحات للطرق، بمواد فائقة الجودة.
للاستماع إلى جزء من تصريحات وليد سيد مصطفى (اضغط/ي)
يقول "عثمان" إن "التأمين" أحد خيارات التكيّف مع التغير المناخي المحيق بالمدينة، ويرى أن "التأمين" قد يكون أداة فعالة لتقليل الأضرار الاقتصادية والاجتماعية، لمساهمته في حماية الأسر من الانهيار المالي نتيجة الكوارث، وتحفيز الملاك على تحسين حالة المباني عبر ربط التأمين بالتقييم الفني.
"التأمين في هذا السياق يواجه تحديات جذرية"، يقول "عثمان"، إذ إن العديد من شركات التأمين عالميًا تحقق حاليًا خسائر فادحة نتيجة لاعتمادها على نماذج تقليدية لا تأخذ في الحسبان وتيرة تغير المناخ.
أصبح خطر المناخ المتسارع متجاوزًا النماذج الإحصائية الكلاسيكية، بينما يصعّب تسعير المخاطر بدقة في دول كمصر، حسب "عثمان"، إضافة إلى ضعف البيانات الدقيقة وغياب أطر تنظيمية واضحة، ويضيف: "التأمين جزء من الحل وليس حلًا وحيدًا".
ويستطرد: "هناك بعض الشركات الناشئة التي طبقت نظم التأمين المعياري، وأنجح النماذج منتشرة حاليًا في كاليفورنيا، لكنها لم تصل إلى مرحلة النضج حتى يجري تعميمها عالميًا لتجنب مخاطر الطرق التقليدية تأمينيًا، التي تسبب الخسائر المتتابعة لشركات التأمين الكبرى رغم عراقتها وخبراتها".
أما هشام شقوير، خبير التأمين الاستشاري، فيبيّن أن تغطية الأخطار الطبيعية لا تُمنح ضمن وثائق منفصلة، وإنما تُدرج كملحق ببوالص تأمين الحريق، وتشمل الحماية من الزلازل والسيول والعواصف والفيضانات وحتى البراكين.
وحسب تصريحاته، فإن تغطية المنشئات ضد الكوارث الطبيعية لا يجري على نطاق واسع كما في أنواع التأمين الأخرى، رغم الحاجة إليها بعد موجات العواصف والسيول التي ضربت مناطق مثل طابا والجونة، إلى جانب أمطار الإسكندرية والقاهرة، والتي عوّضها قطاع التأمين بمئات الملايين خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن التأمين ضد الكوارث الطبيعية أصبح مطلبًا تفرضه الظروف والمتغيرات، موضحًا أن الزلازل لم تُتوقع سابقًا بمصر، بينما أضحت حاليًا واقعًا، ويضيف: "يجب ألا نركن إلى موقع مصر الجغرافي البعيد عن الخطر، فالتغيرات المناخية ألغت كثيرًا من الاستثناءات، وباتت الكوارث تحدث بأماكن لم يتوقع أن تطالها".
لفّة عالمية في نظم التأمين ضد التغيرات المناخية
بالاطلاع على سجلات الاتحاد المصري للتأمين، وجدت “عالم المال” أن "وثائق تأمين الممتلكات" تغطي الأخطار الطبيعية، ضمن ملحق بها، ومن ناحية أخرى، فإن "وثائق التأمين الهندسي" تغطي مجموعة من الأخطار الطبيعية بموجب ملاحق تضاف للوثائق الأصلية.
كما ذكرت نشرات اتحاد التأمين أن نماذج الكوارث تحسب احتمالية الخسارة عبر جمع الكثافة وإمكانية انحلال التربة، مع اعتبار الجغرافيا وقابلية تعرض الأصول للخطر، إذ يمكن تصميم نماذج الكارثة لتوفير تقديرات احتمالية أو حتمية التعرض، بينما يمكن للمحاكاة الاحتمالية تقدير مدى الكوارث المحتملة والخسائر المقابلة لها.
من الواضح أن قطاع التأمين المصري لا يملك برامج شاملة تساعد في تغطيات مُحكمة للكوارث الطبيعية، لتخفيف آثار الخسائر البشرية والمادية، وإنما تبدو خطط اتحاد التأمين مجرد "حبر على ورق" تنتظر التفعيل في سوق لا تعير التغير المناخي بالًا.
وبالاطلاع على أوسع البرامج التأمينية شهرة، فإن نظام (Flood Re) بالمملكة المتحدة يوفر تأمينًا ميسور التكلفة ضد الفيضانات، عبر توزيع المخاطر المالية على مجموعة واسعة من العملاء، بينما يقدم نظام (CCRIF – الكاريبي) تأمينًا برامتريًا لإدارة الآثار المالية من الأعاصير والزلازل.
كما أن برنامج (African Risk Capacity - ARC) يقدم تأمينًا ضد الطقس المتطرف، يجمع المخاطر ويدعم الاستعداد، بينما تدعم شركة “ميونخ ري” مشروعات الطاقة المتجددة، ما يخفف من المخاطر التشغيلية ويعزز التنمية المستدامة، فضلًا عن تأمينها الزلازل في اليابان، ما يضمن التعافي السريع بعد الكارثة.
الباحث عبودي تيتي يبيّن في دراسته عن تأمين الكوارث الطبيعية أن التأمين سياسة أخذت بها كبريات الدول، لتخفيف آثار الكوارث، كتقنية مهمة لإدارة الخطر الذي يجري تحويله للشركات، بعدما كانت الدول مسئولة عن تعويض الخسائر من أموال خزينتها العمومية، بينما تبقى أقساط التأمين لدى الشركات كمصدر مهمًا لتكوين رؤوس أموال لا يستهان بها، تساهم بالناتج المحلي عبر استثمارها.
الباحثان عبد الرحيم الفارس وعيد أحمد أبو بكر، يؤكدان في دراستهما عن تأمين الكوارث الطبيعية، أن معدل خسارة الدول النامية نتيجة الكوارث الطبيعية إنما يقدر بنحو 7.1% للفترة 1977-2001، بينما لا يغطي التأمين بها سوى 3% فقط من الخسائر الاقتصادية المتوقعة، في حين تصل تلك النسبة لـ45% بالبلدان المتقدمة.
الباحثة منال قراح تقول في دراستها عن تأمين الكوارث الطبيعية، إن نشاط التأمين لا بد أن يبقى في تطور مستمر، خاصة بالسوق العالمية، التي تسودها المنافسة بين الشركات الكبرى، ما يشير إلى واقع تطبيق تغطيات الحريق والكوارث الطبيعية ذات الأهمية بالسوق.
التغير المناخي.. حجر على رقعة التأمين
شركة سويس ري العالمية للتأمين تكشف في تقرير لها، إن الخسائر المؤمّنة للكوارث الطبيعية بلغت 135 مليار دولار في 2024، لا سيما بعد إعصاري هيلين وميلتون، ما أدى إلى خسائر مؤمنة تجاوز 50 مليار دولار، بينما ضربت فيضانات كبيرة أوروبا والشرق الأوسط، وتسبب بخسائر مؤمنة ناهزت 13 مليار دولار، بسبب ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1.54 درجة مئوية عن متوسط ما قبل الثورة الصناعية، ما جعل 2024 العام الأكثر سخونة.
وتكشف دراسة شركة فرنسا للتأمين أن تغير المناخ حقيقة يمكن لشركات التأمين قياسها كميًا، إذ تشير التقديرات إلى أن ثلث المطالبات حتى 2050 سترتبط بالتغير المناخي وما ينتج عنه من آثار، بينما ستتضاعف خسائر فرنسا فقط بحلول 2050، إلى 143 مليار يورو، وهي زيادة بمقدار 69 مليار يورو مقارنة بالفترة (1989-2019) التي كانت خسائرها 74 مليار يورو.
ارتفاع مستوى سطح البحر ناتج عن تغير المناخ والحركات الرأسية للأراضي، حسب دراسة مجلة nature climate change، إضافة إلى الهبوط الطبيعي للأراضي وانخفاض الشواطئ، ما يدفع لتغيّر مستوى الخطر عالميًا، لا سيما مع عدم توافر قاعدة بيانات شاملة، وحددت الدراسة متوسط الارتفاع عالميًا بـ2.6 ملليمتر سنويًا، على مدى عقدين (2001-2021)، بينما يواجه سكان السواحل ارتفاعًا أسرع 4 مرات عند 7.8-9.9 ملليمتر سنويًا، حسب الدراسة.
كما يرتفع منسوب مياه البحر بمقدار 3.6 ملليمتر سنويًا، من جراء ارتفاع درجات الحرارة، وتنذر الآثار التراكمية بكارثة، فضلًا عن زيادة العواصف العاتية والمد والجزر من ارتفاع منسوب مياه البحر، حسب مقال مجلة ANZIIF لسان المعهد الأسترالي والنيوزيلندي للتأمين والتمويل.
تتزايد خسائر تغير المناخ، ففي الفترة 1980-1990 بلغ متوسط عدد الكوارث 149 حادثة سنويًا تقدّر أضرارها بنحو 14 مليار دولار سنويًا، وفق بيانات دراسة المجلس الأطلسي (Atlantic Council)، وتضاعف العدد بين عامي 2004 و2014 إلى متوسط 332 كارثة سنويًا، مع خسائر بنحو 100 مليار دولار سنويًا، كما أن العقد الممتد بين 2010 و2019 كان الأكثر تكلفة.
وحسب دراسة مجلة Water، هناك خسارة محتملة للبنية التحتية بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر بالبلاد الساحلية، كزيادة وتيرة الفيضانات وارتفاع مناطق الساحل المنخفضة والفيضانات الدائمة وفقدان الشواطئ والأراضي الرطبة الساحلية ووصول الأمواج إلى قاعدة المنحدرات الساحلية.
وبين عامي 1985 و2015 أدت الفيضانات في الولايات المتحدة إلى خسائر سنوية بلغ متوسطها حوالي 8 مليارات دولار و82 حالة وفاة، ومن المتوقع، بفعل التغير المناخي وارتفاع منسوب مياه البحر، ازدياد خطر الفيضانات في المناطق الساحلية والداخلية المعرضة للفيضانات، إلى جانب الخسائر المرتبطة بها، حسب دراسة الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA).
وبسبب تغير المناخ، أصبحت أضرار السواحل، كالأعاصير والفيضانات، ذات آثار سلبية اقتصاديًا، بسبب انقطاعات التجارة والخدمات المجتمعية، كطرق النقل وتوزيع الطاقة وسلاسل التوريد، فمثلًا، بلغت خسائر إعصار كاترينا 182.5 مليار دولار في 2021، وهي الكارثة الأعلى تكلفة على الولايات المتحدة، حسب بيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA).
حللت دراسة منشورة في 2016 تقنيات نظم المعلومات الجغرافية بالمناطق الساحلية في الدلتا (الإسكندرية وبورسعيد) في الفترة 1990 – 2014، وأظهرت النتائج معدلًا كبيرًا لتحول أشكال الأراضي بالمناطق الساحلية بالدلتا.
وكشفت الدراسة أن العمليات الساحلية أحدثت تغييرات كبيرة في خط الساحل، مما أدى إلى إنشاء مناطق تآكل تتراوح ما بين 24 و36 مترًا/سنة، وأخرى تراكمية بمساحة إجمالية تبلغ 3.14 كيلومتر مربع، مع تراجع يقدر بـ2.7 كيلومتر مربع على طول خط الساحل.
الدراسة أكدت أن التغيرات المناخية المتوقعة وارتفاع مستوى سطح البحر ستؤدي إلى تفاقم معدل التآكل والحالة العامة للمنطقة الساحلية، استنادًا إلى سيناريوهات اللجنة الدولية للتغيرات المناخية، أي ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 59 سم بنهاية 2100 وهبوط الأرض بمستوى 2.5 ملليمتر/سنة، ومن ثم، فإن خُمس الدلتا سيكون معرضًا للغمر.
في ذات السياق، يعلّق الدكتور محمد عبد المجيد، مدرس الفيزياء النووية بكلية العلوم - جامعة الزقازيق، بأن دراسات عديدة توقعت غرق مدن ساحلية عالميًا، بفعل تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة المؤدي لتأثير "الصوبة الزجاجية" على الكوكب.
ويضيف "عبد المجيد" أن خطر غرق المدن الساحلية لا يتوقف عند الإسكندرية فحسب، ولكن دراسات توقعت غرق البندقية "فينيسيا"، كبلدة شبيهة للإسكندرية في تكوينها التاريخي والثقافي، كما أن المياه ربما تغمر أجزاء واسعة من الدلتا، الأمر الذي ينذر بكارثة زراعية تؤثر على الأمن الغذائي.
"تحديد موعد غرق الإسكندرية بحلول 2050، يرجع لاستنتاج الدراسة"، يقول الباحث في الفيزياء النووية بجامعة الزقازيق، ويتابع أن الدراسات الأجنبية تبقى هي الأكثر دقة في تناول الموضوعات البحثية.
للاستماع إلى جزء من تصريحات الدكتور محمد عبد المجيد (اضغط/ي)
المدينة تخشى السقوط
بالرجوع إلى الإسكندرية، يقول سعيد القصيري (اسم مستعار، 56 عامًا)، صاحب عقار بحي اللبان، إن مبناه يوشك على الانهيار بسبب مستوى المياه الجوفية التي أضرّت بالجدران السفلية. استطاع المالك التخلي عن استغلال البناية، بعدما ترك الخيار للسكان للانتقال لبنايات آمنة أو الاستمرار، حتى يجد حلًا هندسيًا لمشكلته.
"القصيري" يفيد بأن "المحليات" تحظى بفساد لا قِبل للناس به، مُرجعًا الذاكرة إلى كابوس "العمارة المائلة" بالأزاريطة سنة 2017، والتي كانت مرخصة بـ4 طوابق، ولكنها بلغت 14، في "تغافل" أو "تكافل" من "المحليات".
في دراسة البنك الدولي بالتعاون مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري (AASTMT)، ركزت على 3 مدن ساحلية في شمال أفريقيا، وهي الإسكندرية وتونس والدار البيضاء، إضافة إلى وادي أبي رقراق بين بلدتي الرباط وسلا بالمغرب، بغرض تشخيص التغير المناخي ووضع خطة عمل للتكيف والمرونة تجاه الكوارث الطبيعية وتغير المناخ.
وللإسكندرية، توقع البنك الدولي تفاقم مخاطر الكوارث بحلول 2030 بسبب تغير المناخ والتوسع الحضري المستمر بالمواقع الجديدة المعرضة للمخاطر الطبيعية، بينما قد تواجه المدينة الغمر البحري والتآكل الساحلي وندرة المياه، إلى جانب زيادة مخاطر الزلازل وهبوط الأرض والفيضانات، ناهيك عن تغيرات المناخ السلبية على الصحة العامة.
وحسب الدراسة، فإن القدرة المؤسسية في الإسكندرية على إدارة مخاطر التغير المناخي وإعداد المجتمع للكوارث المستقبلية المحتملة محدودة، بينما يظل الهيكل التنظيمي لأنظمة الاستجابة للطوارئ مركزيًا.

في دراسة أجريت بين عامي 2015 و2020 على 99 مدينة ساحلية عالميًا، ذكرت أن 33 بلدة بأوروبا وأمريكا الشمالية وأفريقيا وأستراليا، من أصل 99، غرقت أجزاء منها بمعدل زاد عن 10 ملليمتر/سنة من مستوى سطح البحر، أي أسرع 5 مرات من ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر العالمي.
بينما المدن التي شهدت هبوطًا أكثر من 20 ملليمتر/سنة، تقع بجنوب آسيا وجنوب شرقها وشرقها، وتجاوزت المعدلات 30 ملليمتر/سنة في تيانجين وسيمارانج وجاكرتا، كما انخفض غرب مدينة إسطنبول بنحو 2 ملليمتر/سنة، وبذات المعدل في لاجوس ومعظم مدينة تايبيه ومومباي وأوكلاند وتامبا وسانت بطرسبرغ وكليرووتر، حسب الدراسة.
كما أن مدنًا أخرى بجنوب آسيا وجنوب شرقها وشرقها، تعاني هبوطًا سريعًا للغاية يتراوح بين 10 و40 ملليمتر/سنة، وفق الدراسة، مثل شيتاجونج وتيانجين ومانيلا وكراتشي وسيمارانج وشنجهاي، وكلها مناطق سكنية أو صناعية.
كما توقعت دراسة مجلة Nature، ارتفاع مستوى سطح البحر على طول السواحل الأمريكية بمقدار 0.25-0.3 متر بحلول 2050، ما يزيد احتمال حدوث فيضانات وغمر أكثر تدميرًا بالمدن الكبرى.
واعتمدت الدراسة على 32 مدينة ساحلية أمريكية رئيسة، إذ إن مساحة تصل إلى 1389 كيلومتر مربع مهددة بارتفاع نسبي في مستوى سطح البحر بحلول عام 2050، ما يهدد سكانًا يناهزون 273 ألف نسمة وعقارات تتراوح بين 31 و171 ألف بناية، كما أكد تحقيق صحافي في "CNN" على ذات النتائج.
وحسب دراسة مجلة (PIAHS)، ستغرق أجزاء من جاكرتا وهوتشي منه ودكا ونيوأورلينز وبانكوك ومدن ساحلية أخرى تحت مستوى سطح البحر، بسبب الإفراط في استخراج المياه الجوفية المرتبط بالتوسع الحضري السريع والنمو السكاني، بدون اتخاذ أي إجراءات، إضافة إلى الفيضانات المسببة لأضرار اقتصادية جسيمة وخسائر في الأرواح، إضافة إلى تكاليف صيانة باهظة للبنية التحتية المقدرة بمليارات الدولارات.

الإسكندرية.. ما الحل؟ الآن وغدًا
الإسكندرية هي المنطقة الحضرية الساحلية الأكثر اكتظاظًا بالسكان في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلا أن تعرّضها لزيادة مستوى سطح البحر يجلب عواقب اجتماعية واقتصادية محلية وإقليمية، كتعطيل الطرق البحرية لقربها من قناة السويس.
تقترح دراسة "حجي" 5 أساليب للتخفيف من أخطار التآكل والغمر الساحلي بالإسكندرية، وهي: "الحماية الصلبة" باستخدام سدود للسيطرة على ارتفاع منسوب المياه والعواصف، و"الحماية الناعمة" عبر إعادة تأهيل الكثبان الرملية وتغذية الشواطئ بها، و"التكيف" برفع المباني وتعزيز الأساسات وتطوير الهياكل العائمة، و"التكيف القائم على النظام البيئي" باستخدام النظم البيئية الساحلية الطبيعية للحماية، و"التراجع المُدار" بنقل السكان من المناطق عالية الخطورة لأماكن أخرى.

وذكرت الدراسة أن مدنًا أمريكية وأوروبية مختلفة نجحت مؤخرًا في تطبيق إستراتيجيات إدارة التراجع بمستويات متفاوتة، إذ لا يمكن اتباع نهج واحد للتخفيف على الإسكندرية، فالساحل ممتد لـ70 كيلومتر، ولا بد من مراعاة التركيبة المورفولوجية والجيومورفولوجية المعقدة والتنوع البيئي والسياق الاقتصادي والنسيج الاجتماعي والإطار المؤسسي للأراضي.

يرى "القصيري" أن الإسكندرية ذات "طابع خاص" لا بد من مراعاة البناء به وفق أصول هندسية محددة ومواد بناء تكابد الزمن، بينما "علاء" يشير إلى أن البنايات بتربة الإسكندرية والدلتا لا بد أن توطّد بإسمنت "سيووتر" أو "بورتلاندي" بمواصفات أوروبية، لقدرته على مقاومة الكبريتات.
بينما تعاني "نجلاء" مع جدران بازارها، متماهية مع الرطوبة الزاحفة على الحوائط، في حين لا يعلم "السبيعي" إلا أن "كل شيء لم يعد كما الماضي" ويضيف: "محدش عارف.. ربنا هوّ الحفيظ".