خفّضت هيئة نظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Federal Reserve Board)، أمس الأربعاء، سعر الفائدة الرئيس بمقدار ربع نقطة مئوية (25%)، للمرة الثالثة للعام الحالي، في إشارة إلى احتمال الإبقاء على مستويات الفائدة دون تغيير خلال الأشهر المقبلة، كخطوة قد تثير غضب الرئيس الأمريكي دونالد "ترامب" الذي طالب بتخفيضات حادة الاقتراض.
جاءت الخطوة عقب اجتماع استمر يومين، خلصت فيه لجنة تحديد السياسات النقدية إلى أن أي خفض إضافي للفائدة سيعتمد على دلائل جديدة تشير إلى تباطؤ الاقتصاد، وكشفت التقديرات الصادرة عن "الفيدرالي" أن صانعي السياسة يتوقعون خفضًا واحدًا فقط خلال العام المقبل.
وبموجب التخفيض الأخير لـ"الفيدرالي"، تراجع سعر الفائدة الأساسي إلى نحو 3.6%، وهو أدنى مستوى له منذ 3 أعوام تقريبًا، وقد تُسهم خطوة "الفيدرالي"، بمرور الوقت، في خفض تكاليف الاقتراض على الرهون العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، رغم تأثير العوامل السوقية على تلك المعدلات.
وسجلت جلسة هيئة الاحتياطي الفيدرالي 3 أصوات معترضة، وهي أكبر موجة اعتراض لم تحدث منذ 6 سنوات، ما يعكس انقسامات واسعة داخل هيئة عادة ما تتخذ قراراتها بتوافق، إذ تحفظ صوتان على أي تغيير في المعدل الحالي، بينما صوّت ستيفن ميران –الذي عيّنه ترامب في سبتمبر الماضي– لصالح خفض أكبر بمقدار نصف نقطة مئوية.
يبدو أن اجتماع الشهر الحالي يمهّد لمرحلة أكثر صعوبة داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسط انقسام بين فريق يدعم خفض الفائدة لتحفيز التوظيف، وآخر يفضّل التريث بسبب بقاء معدلات التضخم فوق المستهدف البالغ 2%، ومن المرجّح استمرار الانقسامات ما لم تظهر بيانات لانحسار التضخم أو تدهور أوضح في سوق العمل.
وفي مؤتمر صحفي أعقب القرار، قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، إن مستوى الفائدة أصبح قريبًا من المنطقة "المحايدة"، أي المستوى الذي لا يقيّد ولا يحفّز النمو، وأوضح أن المرحلة المقبلة تسمح للمسئولين بمراقبة مسار الاقتصاد، مستبعدًا أي اتجاه لرفع الفائدة.
وكشفت توقعات أعضاء لجنة الاحتياطي الفيدرالي الـ19 للفترة المقبلة حجم الانقسام، إذ إن 7 منهم لا يرون ضرورة لأي خفض جديد في 2026، بينما يتوقع 8 إجراء خفضين أو أكثر، في حين يدعم 4 أعضاء خفضًا واحدًا فقط.
ويُذكر أن 12 عضوًا فقط من بين الـ19 يملكون حق التصويت.
أتي اجتماع "الفيدرالي" وسط مستويات تضخم مرتفعة تضغط بشدة على الأسر، مع صعود أسعار الغذاء والإيجارات والخدمات الأساسية، بينما ارتفعت الأسعار الاستهلاكية 25% خلال السنوات الـ5 الماضية.
على مدار العامين الماضيين.. ماذا حدث؟
حافظ "الفيدرالي" على سعر فائدة ثابت عند 5.50% في قراراته الصادرة في يناير ومارس ومايو ويوليو 2024، إذ يعكس تثبيت الفائدة استمرار البنك في محاربة التضخم المرتفع (أو انتظار تأكيد استمراره في التراجع) بعد سلسلة الرفع السابقة، وتثبيت المعدل عند أعلى مستوى له في الدورة الاقتصادية.
وكان أول خفض في سبتمبر 2024، حيث خفض "الفيدرالي" سعر الفائدة من 5.50% إلى 5.00%، وتبع ذلك خفضان متتاليان في نوفمبر 2024 (من 5.00% إلى 4.75%) وديسمبر 2024 (من 4.75% إلى 4.50%).
وتشير تلك التخفيضات السريعة والمتتالية التي بلغت 100 نقطة أساس خلال 3 أشهر، إلى ثقة "الفيدرالي" في السيطرة على التضخم أو أنه بدأ في التركيز على تجنب التباطؤ الاقتصادي أو الركود.
وحافظ "الفيدرالي" على سعر فائدة 4.50% طوال الربع الأول من 2025 (يناير، مارس، مايو، يونيو، يوليو)، كـ"استراحة" لتقييم تأثير تخفيضات أواخر 2024، بينما استؤنفت تخفيضات الفائدة بخفض في سبتمبر الماضي من 4.50% إلى 4.25%، ثم في أكتوبر الماضي من 4.25% إلى 4.00%، إلى الوصول إلى أدنى مستوى ديسمبر الحالي، ليصل سعر الفائدة إلى 3.75%.
ما تأثير قرار "الفيدرالي" على أسعار الذهب؟
يُنظر إلى الذهب كأحد أبرز الملاذات الآمنة، وقد أظهر تاريخيًا أنماطًا واضحة في أدائه خلال التحولات الاقتصادية الكبرى، خاصة في الفترات التي يُقدم فيها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على خفض أسعار الفائدة.
ويُعد "الاحتياطي الفيدرالي" أكثر البنوك المركزية تأثيرًا عالميًا، لدوره في توجيه قيمة الدولار، وتستهدف قرارات الفائدة السيطرة على التضخم وتحفيز الاقتراض والاستثمار ودعم استقرار الاقتصاد، وفي فترات التباطؤ الاقتصادي يلجأ "الفيدرالي" لخفض الفائدة، لتتراجع قوة الدولار وتتقلص جاذبية الأصول الادخارية، ما يدفع المستثمرين للبحث عن بدائل مثل الذهب.
جاء خفض الفائدة في نوفمبر 2000 في خضم تباطؤ الاقتصاد الأميركي بعد انفجار فقاعة "الدوت كوم"، وبعد سنوات من ضعف أداء الذهب نتيجة جذب التكنولوجيا لرؤوس الأموال، بدأ المعدن يعكس الاتجاه، وخلال عامين ارتفع بنسبة 31% مع تزايد خشية الركود واضطراب الأسواق، ما دفع المستثمرين للعودة إلى الذهب كملاذ آمن واستثمار طويل الأجل.
وفي يونيو 2007، خفّض "الفيدرالي" الفائدة من مستوى 5.25% بينما كانت الأزمة المالية العالمية تتشكل، ومع انهيار قطاع الرهن العقاري وارتفاع المخاطر، اتجهت رؤوس الأموال نحو الذهب بقوة، ليقفز سعره 39% خلال 24 شهرًا.
كما أعاد الفيدرالي خفض الفائدة في يونيو 2019 لأول مرة منذ الأزمة المالية، وسط تباطؤ عالمي وتصاعد التوترات التجارية بين أميركا والصين، وعلى مدار العامين التاليين ارتفع الذهب 26%، وكان جزء مهم من الصعود مرتبطًا بتداعيات جائحة "كوفيد-19"، ما عزز مكانة الذهب كأصل للتحوّط، وتجاوز السعر آنذاك ألفي دولار للأوقية.
وفي 19 سبتمبر 2024 خفض الفيدرالي الفائدة مجددًا وسط تباطؤ عالمي وضغوط تضخمية، وسرعان ما ارتفع الذهب إلى 2,789 دولارًا للأوقية بحلول نهاية أكتوبر من ذات العام، لكن الأسعار تراجعت لاحقًا إلى 2,597 دولار، مدفوعة بتحسن المعنويات في الأسواق وتعافي بعض المؤشرات الاقتصادية الأميركية.
تُظهر تجارب العقود الماضية أن الذهب يحقق مكاسب واضحة عقب قرارات خفض الفائدة الأميركية، رغم اختلاف حجم المكاسب باختلاف الظروف الاقتصادية المحيطة.
وبينما ستظل حركة الذهب مرتبطة بعوامل عالمية متعددة، يبقى دوره كخيار موثوق لحفظ القيمة خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي ثابتًا عبر الزمن.