استمر القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر في التعافي الذي بدأ في أواخر عام 2025 حتى شهر ديسمبر، وفقًا لمؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن مؤسسة "ستاندرد آند بورز" (S&P)، على الرغم من تباطؤ وتيرة النمو مقارنة بالشهر السابق، وقد سجل القطاع في نوفمبر 2025 أقوى أداء له منذ خمس سنوات، مما يشير إلى انتعاش في النشاط التجاري. وفي ضوء التقلبات الاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ عام 2020، يبرز السؤال: هل يشير هذا التحسن في مؤشر مديري المشتريات إلى مكاسب حقيقية في الإنتاج، أم أنه مجرد انفراجة مؤقتة من صدمات التضخم؟
ما هو مؤشر مديري المشتريات PMI؟
مؤشر مديري المشتريات هو أداة إحصائية تقيس مدى اتساع نطاق التغير في التوجهات الاقتصادية، حيث يرصد كيفية استفادة الشركات من تحسن ظروف السوق دون قياس الأثر الكمي الفعلي لهذا التغيير. ويجمع المؤشر عدة مؤشرات فرعية أساسية وهي: الطلبات الجديدة والإنتاج والتوظيف ومواعيد تسليم الموردين وحالة مخزون المشتريات. تشير القراءة التي تتجاوز مستوى 50 نقطة إلى نمو النشاط، كما يعني أي تحسن في قيمة المؤشر زيادة عدد الشركات التي تبلغ عن تحسن في أوضاعها التشغيلية. وفي هذا السياق، ارتفع مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي في مصر إلى 51.1 نقطة في نوفمبر 2025، مقارنة بـ49.2 نقطة في أكتوبر، قبل أن ينخفض إلى 50.2 نقطة في ديسمبر.
عكست بيانات شهر ديسمبر 2025 استمرار التحسن في بعض المؤشرات الفرعية؛ حيث واصلت معدلات الإنتاج (إجمالي حجم الإنتاج) ارتفاعها، مؤكدة نقطة التحول التي شهدها شهر نوفمبر، إلا أن وتيرة النمو تباطأت نتيجة تراجع قوة الطلب. واستمرت تدفقات الأعمال الجديدة في الارتفاع وإن كان بمعدل أقل - مما عزز فترة التعافي في شهر نوفمبر من التراجع الذي استمر ثمانية أشهر مع زيادة الطلبات. وبينما أفادت الشركات عن زيادة في نشاطها الشرائي لأول مرة منذ 10 أشهر، إلا أن العجز لدى الموردين أدى إلى انخفاض في مخزون مستلزمات الإنتاج. كما سجل مؤشر مديري المشتريات في ديسمبر تراجعًا في معدلات التوظيف، والذي يعُد الأكثر حدة خلال 13 شهرًا.
تحسن مشروط بمحاذير
يُعد مؤشر مديري المشتريات، بوصفه مؤشرًا للانتشار، أكثر ملاءمة لرصد تغير اتجاه النشاط الاقتصادي مقارنة بقدرته على قياس وتيرة النمو أو استدامته. كما لا يمكن الاعتماد عليه كأداة مستقلة للتنبؤ بنمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث تفتقر العلاقة قصيرة الأجل بينهما إلى الدلالة الإحصائية.
الطريق نحو النمو.. الاستثمار في العنصر البشري
يتطلب تحويل المكاسب الاقتصادية الهشة إلى نمو مستدام في مصر الانتقال من التعافي نتيجة لتراجع التضخم إلى التوسع في الإنتاج القائم على التعليم والاستثمار في البشر. ولن يتحقق النمو المستدام وخلق فرص العمل إلا من خلال المواءمة الوثيقة بين تنمية المهارات والسياسات الصناعية وحوافز القطاع الخاص. تكمن خارطة الطريق المستقبلية لمصر في إعطاء الأولوية لتطوير مهارات قوة العمل، وتنسيق منظومتي التعليم والتدريب مع احتياجات قطاعات الإنتاج وتشجيع الشركات على الاستثمار في العنصر البشري جنبًا إلى جنب مع الاستثمار في رأس المال. وبدون هذا التحول الهيكلي، يظل تحسن مؤشر مديري المشتريات مجرد إشارات دورية، بدلًا من أن يكون ركيزة لنمو شامل يخلق فرص العمل.