في ظل تصاعد أزمة الأسمدة عالميًا وارتفاع تكلفتها على المزارعين، لم تعد الزراعة التقليدية وحدها قادرة على مواجهة تحديات الإنتاج، خاصة في محاصيل الخضر التي تعتمد بشكل أساسي على برامج تسميد مكثفة لضمان الجودة والكمية، وبين تقلبات أسعار الأسمدة الكيماوية وتأثر سلاسل الإمداد العالمية، أصبح البحث عن بدائل ذكية وأكثر كفاءة ضرورة لا رفاهية، ضمن توجه أوسع نحو الزراعة المستدامة.
واحدة من هذه البدائل الحديثة هي حقن النباتات بالإبر، أو ما يُعرف بالحقن الغذائي للنبات، وهو أسلوب حديث يستخدم لتوصيل العناصر الغذائية مباشرة داخل أنسجة النبات بدل إضافتها بكميات كبيرة للتربة، مع استهداف رئيسي لتقليل استهلاك الأسمدة ورفع كفاءتها.
الفكرة الأساسية أن النبات لا يستفيد دائمًا من كامل السماد المضاف للتربة، حيث يفقد جزء كبير منه بالغسيل مع مياه الري أو يثبت في التربة، ما يزيد التكلفة ويؤثر على البيئة، وهنا يأتي دور الحقن، الذي يسمح بإدخال محلول غذائي مركز يحتوي على عناصر محددة مثل الحديد أو الزنك أو المنجنيز أو بعض الأحماض الأمينية، مباشرة في الساق أو الجذع لبعض المحاصيل.
الميزة الأهم لهذه الطريقة أنها توصل العنصر الغذائي بشكل مباشر وسريع لمكان الاحتياج، ويظهر تأثيرها في وقت قصير مقارنة بالتسميد الأرضي أو الرش الورقي، كما تساعد على علاج نقص العناصر الصغرى التي يصعب تعويضها في الأراضي القلوية أو الجيرية، المنتشرة في مناطق عديدة بمصر.

ومن ناحية تقليل الأسمدة، الحقن يسمح باستخدام كميات أقل بكثير لكن بتأثير أعلى، لأنه لا يوجد فاقد تقريبًا، ما ينعكس على خفض التكلفة وتقليل تلوث التربة والمياه الجوفية، خصوصًا مع الإفراط في استخدام الأسمدة الكيماوية، ومع ذلك، يظل هذا الأسلوب مكملًا لبرامج التسميد التقليدية، خاصة بالنسبة للعناصر الكبرى مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم.
وعلى صعيد أكثر تطورًا، نجح فريق من الباحثين في جامعة سنغافورة الوطنية في ابتكار إبر دقيقة لحقن النباتات بالميكروبات المفيدة، في خطوة تهدف إلى خفض الاعتماد على الأسمدة الكيماوية وزيادة الإنتاجية.
وأوضح الباحثون في ورقة بحثية بعنوان "توصيل الأسمدة الحيوية باستخدام الإبر الدقيقة يحسن نمو النبات من خلال هندسة الميكروبيوم"، أن التقنية مستوحاة من المجال الطبي، حيث يتم توصيل الميكروبات مباشرة داخل أوراق أو سيقان النبات بدل إضافتها إلى التربة، ما يتيح لها الانتقال إلى الجذور وأداء دورها الحيوي بكفاءة أعلى.

ويشير البروفيسور آندي تاي، الباحث الرئيسي، إلى أن هذه الميكروبات تعمل كسماد حيوي، حيث تحفز هرمونات النمو وتحسن استقلاب العناصر الغذائية، ما أدى في التجارب الأولية إلى نمو أسرع للكرنب والخضروات المزروعة في البيوت الزجاجية، من حيث الطول ومساحة الأوراق وكتلة السيقان، كما يمكن إنتاج هذه الإبر بسهولة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتظل الميكروبات فيها فعّالة أثناء التخزين لمدة تصل إلى أربعة أسابيع، ما يسهل تطبيقها على نطاق واسع.
يعتبر هذا الابتكار نقلة نوعية في عالم الزراعة المستدامة، حيث يجمع بين العلوم الطبية والتقنيات الزراعية الحديثة، ويفتح الباب أمام حلول دقيقة تقلل الهدر وتحسن الإنتاج، وتحد من التأثير البيئي للأسمدة الكيماوية، ويخطط الباحثون مستقبلًا لدمج هذه التقنية مع الروبوتات والأنظمة الآلية لتطبيقها في المزارع الكبيرة والرأسية والحضرية، فضلاً عن اختبارها على محاصيل أخرى مثل الفراولة، ودراسة طرق انتقال الميكروبات من الأوراق إلى الجذور بكفاءة أكبر.
بهذا الشكل، أصبح حقن النباتات بالإبر، سواء بالأسلوب التقليدي أو بالابتكار الدقيق للميكروبات، أداة ذكية ضمن الزراعة الحديثة، تساعد على تقليل استهلاك الأسمدة، وزيادة الإنتاج، وتحقيق أعلى استفادة من الموارد، في ظل تحديات متلاحقة تواجه منظومة الزراعة التقليدية، خاصة في محاصيل الخضر عالية الاستهلاك للمدخلات.