يواصل سوق الزراعة في مصر مسار النمو التدريجي، مدفوعًا بتوسع الصادرات الزراعية وتبني تقنيات الري الدقيق وتنامي الطلب الغذائي المرتبط بالزيادة السكانية، رغم الضغوط المتزايدة الناجمة عن ندرة المياه واضطرابات التجارة العالمية.
وتشير تقديرات السوق إلى أن حجم قطاع الزراعة سيبلغ نحو 6.72 مليار دولار في 2026، مع توقعات بارتفاعه إلى 8.41 مليار دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي مركب 4.59%، ما يعكس توسعًا مستقرًا دون طفرات حادة، لكنه مدعوم بتحولات هيكلية في الإنتاج والتصدير، حسب تقديرات شركة Mordor Intelligence العالمية لأبحاث السوق.
واستحوذت الفاكهة على 38.5% من إجمالي سوق الزراعة المصرية في 2025، مدعومة بإنتاج قوي للحمضيات والعنب والفراولة.
وسجلت مصر إنتاجًا بلغ 3.8 مليون طن من البرتقال، وصادرات حمضيات تجاوزت 2.1 مليون طن بقيمة 1.9 مليار دولار، جرى توريدها إلى أكثر من 50 سوقًا دوليًا، مستفيدة من نوافذ التصدير خارج الموسم الأوروبي.
وساهمت اتفاقيات التجارة التفضيلية –خاصة مع الاتحاد الأوروبي، والميركوسور، ورابطة التجارة الحرة الأوروبية– في خفض تكاليف النفاذ للأسواق بنسبة تراوحت بين 8 و15%، ما عزز هوامش الربح ودعم تنافسية المصدرين المصريين.
البذور الزيتية والبقول الأسرع نموًا
في المقابل، تُعد البذور الزيتية والبقوليات القطاع الأسرع نموًا، مع توقعات بمعدل نمو سنوي مركب 5% حتى 2031، مدفوعة بزيادة الطلب على أعلاف الدواجن والاستزراع السمكي.
وتكشف بيانات الأعلاف عن ارتفاع إدراج وجبة فول الصويا بنسبة 19.4% في أعلاف الدواجن، وبما يصل إلى 30% في أعلاف الزراعة المائية، ما يعزز الاستثمارات في مصانع التكسير وسلاسل الإمداد المرتبطة بالبروتين الحيواني.
ويمثل تسريع تبني أنظمة الري بالتنقيط والرذاذ أحد أهم محركات النمو، حيث موّل البنك الدولي برنامجًا بقيمة 500 مليون دولار لتحديث نظم الري على مساحة 500 ألف فدان، مستهدفًا خفض استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 30–40%.
وسجلت تطبيقات تجارية بالفعل نتائج ملموسة، مع زيادات في الغلة بلغت 18% وتوفير مياه تجاوز 40% في بعض المشروعات الصحراوية، ما يعزز جدوى التوسع في الأراضي الجديدة رغم تحديات الملوحة.
التمويل المختلط وأرصدة الكربون يدخلان المشهد
يشهد القطاع صعودًا متزايدًا لآليات التمويل المختلط، التي تجمع بين رأس المال الميسر والعوائد التجارية، بما يخفض تكلفة التمويل ويدعم استثمارات البنية التحتية وسلاسل التبريد.
وفي السياق نفسه، بدأت ممارسات الزراعة المتجددة تفتح الباب أمام تسييل أرصدة الكربون الطوعية، خصوصًا في مناطق الفيوم والوادي الجديد، ما يضيف مصادر دخل غير تقليدية للمزارعين والشركات الزراعية.
في المقابل، لا يخلو المشهد من تحديات مؤثرة، يأتي في مقدمتها الإجهاد المائي، مع تراجع نصيب الفرد من المياه المتجددة إلى نحو 560 مترًا مكعبًا سنويًا، أي أقل من نصف عتبة الندرة العالمية.
وأدت تداعيات سد النهضة وتقييد مساحات الأرز إلى تحولات قسرية في التركيب المحصولي، بينما تؤثر اضطرابات الشحن العالمية وارتفاع التكاليف اللوجستية سلبًا على الصادرات، خاصة للسلع سريعة التلف.
كما تمثل ملوحة التربة في مناطق الاستصلاح الصحراوي قيدًا متوسط الأجل، حيث تتطلب عمليات المعالجة استثمارات مائية ومالية مرتفعة، ما يؤخر تحقيق العائد الكامل من مشروعات التوسع الأفقي.
خريطة جغرافية متباينة
تظل دلتا النيل القلب الإنتاجي للقمح والخضروات، لكنها تواجه ضغوط تداخل المياه المالحة، بينما يشهد صعيد مصر تحولات نحو محاصيل أقل استهلاكًا للمياه، مع تجارب ناجحة في الزراعة العضوية والحيوية.
أما الدلتا الجديدة وتوشكى فتمثلان جبهة النمو المستقبلية، مدعومتين بقربهما من الموانئ الرئيسية، ما يعزز فرص التصدير متى اكتمل تشغيل البنية التحتية للري والطاقة.
رغم القيود المناخية واللوجستية، فإن الجمع بين الصادرات عالية القيمة، والري الذكي، والتمويل المبتكر يضع سوق الزراعة المصرية على مسار نمو متوازن.
ويبقى التفوق مرهونًا بقدرة الشركات على إدارة المياه بكفاءة، وتنويع مسارات التجارة، وتحويل الاستدامة من عبء تنظيمي إلى ميزة تنافسية قابلة للتسعير.