أعلن وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، مؤخرًا أن صندوق مصر السيادي (TSFE) سيتولى قيادة مشروع إعادة تطوير مجمع الوزارات السابق بوسط القاهرة وتحويله إلى مجمع فندقي وثقافي، بالشراكة مع القطاع الخاص، بهدف تعظيم العوائد.
وفي ظل استمرار الحكومة في نقل ملكية أصول وشركات ومشروعات مهمة تحت إدارة الصندوق، تُطرح تساؤلات حول كيفية ضمان المساءلة وتطبيق معايير الحوكمة الرشيدة.
مشروع حلول للسياسات البديلة، التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة، يناقش هذا الموضوع، و"عالم المال" تستعرض المناقشة البحثية وتوصيات المشروع.
ما هو صندوق مصر السيادي؟
أسست الدولة صندوق مصر السيادي في عام 2018 كصندوق استثماري مملوك للدولة يُدار وفقًا لمعايير القطاع الخاص، وذلك استجابةً لتوصيات صندوق النقد الدولي المتعلقة بإصلاح الهيئات والمشروعات المملوكة للدولة وتعزيز دور القطاع الخاص.
ويهدف الصندوق – طبقًا للتصريحات الرسمية آنذاك – إلى إحداث توازن بين القدرات المالية والإدارية للدولة والمرونة وسرعة اتخاذ القرار اللتين تتمتع بهما الكيانات الاقتصادية الخاصة، من خلال تبني نهج استثماري.
كما يمنح القانون التأسيسي للصندوق إعفاءات ضريبية وجمركية غير مسبوقة على معاملاته والكيانات المملوكة له بالكامل، مما يشكل ميزة تنافسية غير متاحة لمؤسسات الدولة الأخرى.
مقارنة بالصناديق العالمية: معايير الحوكمة والشفافية
يشمل صندوق مصر السيادي كبار المسؤولين الحكوميين داخل هياكل الرقابة واتخاذ القرار، بما يمثل خروجًا عن الممارسات الدولية المتعارف عليها للصناديق السيادية، والتي تقضي بالفصل التام بين الملكية والحوكمة والإدارة.
ويرأس رئيس مجلس الوزراء الجمعية العمومية للصندوق – وهي أعلى سلطة تتولى الرقابة على أنشطته – وتضم في عضويتها وزيري المالية والاستثمار ونائبًا لمحافظ البنك المركزي، إضافة إلى 7 خبراء معينين، الأمر الذي يمنح السلطة التنفيذية دورًا رسميًا في اعتماد القوائم المالية والموازنات وتقييم الأداء العام.
وعلى المستوى التنفيذي، يتم تعيين مجلس الإدارة بقرار جمهوري بناءً على ترشيح رئيس مجلس الوزراء، ويضم المجلس ممثلين عن وزارات التخطيط والمالية والاستثمار، ويتولى الوزير المختص رئاسة المجلس بصفته غير التنفيذية.
وعلى الرغم من أن المجلس يضم أغلبية من الخبراء المستقلين ويفوض الإدارة اليومية إلى مدير تنفيذي متفرغ، إلا أن الوجود القانوني والصلاحيات الإجرائية لممثلي الحكومة يحافظان على استمرار هيمنة السلطة التنفيذية على التوجه الاستراتيجي وسياسات الاستثمار الرئيسية.
وفي المقابل، تتبنى الصناديق السيادية في النرويج وسنغافورة آليات حوكمة تفصل بوضوح بين الرقابة السياسية وإدارة الصندوق.
ويعمل صندوق التقاعد الحكومي العالمي في النرويج، والذي يُعد أكبر مستثمر في العالم، وفق تفويض ائتماني محدد يتمتع بالاستقلالية عن التوجيه الحكومي المباشر.
ويضم مجلسه التنفيذي، الذي تعينه الحكومة، نخبة من مسؤولي البنك المركزي والاقتصاديين وكبار المتخصصين في الاستثمار وإدارة الشركات، دون تمثيل للوزراء الحاليين أو الشخصيات السياسية.
ويتولى البنك النرويجي لإدارة الاستثمارات إدارة صندوق التقاعد الحكومي العالمي (GPFG)، وذلك ضمن تفويض يُنيط قرارات الاستثمار بفريق إدارة الأصول في البنك المركزي.
ويقتصر دور وزارة المالية على مراقبة إدارة الصندوق والإشراف عليها من خلال مراجعة الاستثمارات الاستراتيجية والإحاطة بالتغييرات الجوهرية أو المؤثرة في محفظة الاستثمارات وحضور الاجتماعات الرئيسية.
ومن جهة أخرى، يضمن صندوق سنغافورة السيادي عدم تضارب المصالح من خلال خلو مجلس إدارته من أي تمثيل حكومي، رغم تبعية ملكيته الكاملة لوزارة المالية والتزامه الدستوري بحماية رأس المال.
حدود الشفافية وأطر المساءلة
يعمل صندوق مصر السيادي ضمن إطار يتسم بقدر من عدم الوضوح، وتظل الأنشطة الاستثمارية غير متاحة للاطلاع العام بشكل كافٍ.
وتنتقل ملكية الأصول المملوكة للدولة إلى الصندوق بموجب قرارات جمهورية بإلغاء وضعها كأصول ذات منفعة عامة، ومن ثم تمنح الصندوق ملكيتها كاملة.
ويحدد القانون التأسيسي للصندوق الجهة التي يحق لها الطعن في نقل الأصول إليه؛ إذ يقتصر حق الطعن على المالك الأصلي للأصول المنقولة أو الصندوق نفسه، مع إلزام المحاكم بالرفض التلقائي لتلك الدعاوى التي تقيمها أطراف أخرى.
كما تحظر التشريعات على المحاكم الطعن على العقود أو المعاملات التي يجريها الصندوق، باستثناء الحالات التي يثبت فيها بحكم جنائي نهائي قيام أحد أطراف التعاقد بارتكاب جريمة ما.
وعلى النقيض من ذلك، فقد حدد البرلمان النرويجي الإطار القانوني المنظم، بما في ذلك المبادئ التوجيهية الأخلاقية وقواعد السلوك، وأقر فئات الأصول الملائمة للنشاط الاستثماري لصندوق التقاعد الحكومي العالمي.
يضع إطار الرقابة على صندوق مصر السيادي متطلبات واضحة للإفصاح والتدقيق، تعكس بعض عناصر حوكمة صناديق الثروة السيادية الدولية؛ حيث يتولى مراقبان للحسابات – أحدهما من الجهاز المركزي للمحاسبات والآخر معتمد من البنك المركزي أو الهيئة العامة للرقابة المالية – مراجعة القوائم المالية السنوية والربع سنوية للصندوق.
ويقدم الصندوق هذه التقارير، بالإضافة إلى تقرير مفصل عن النشاط وخطة العام التالي، إلى الجمعية العمومية ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب.
وفي المقابل، تخضع شركة "تماسيك" في سنغافورة لتقييمات ائتمانية خارجية منتظمة، وتنشر مراجعات سنوية تفصيلية تشمل الاستثمارات وعمليات التخارج السنوية. وبالمثل، يفصح بنك النرويج علانية عن أداء صندوق التقاعد الحكومي العالمي، إذ يتضمن الموقع الإلكتروني للبنك تقارير نصف سنوية وسنوية تغطي المخاطر والعوائد والقيمة السوقية وتكاليف الإدارة.
إضافة إلى ذلك، يتم تعيين مراقب حسابات خارجي على البنك من قبل مجلس الرقابة المعين من البرلمان، والذي يتولى أيضًا الإشراف على المجلس التنفيذي لبنك النرويج.
نحو حوكمة صندوق مصر السيادي
يتعين على الصندوق – في ظل التوسع المستمر في محفظة الأصول المملوكة للدولة – تعزيز منظومة الحوكمة عبر الفصل الواضح بين الرقابة السياسية والإدارة التنفيذية، مع تبني إطار ائتماني يشبه الآليات المماثلة في صندوق التقاعد الحكومي العالمي في النرويج أو شركة "تماسيك" في سنغافورة.
ومن شأن اعتماد نظام شامل للتقارير الدورية المتاحة للجمهور بشأن الأداء والمخاطر والمعاملات أن يسهم في تعزيز الشفافية، ورفع مستويات المساءلة، وبناء الثقة العامة.