الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
دخل دخل

اقتصاد "الشغل الإضافي" .. لماذا لم يعد مرتب واحد كافيًا؟

لم يعد الاعتماد على دخل واحد كافيًا لتغطية متطلبات المعيشة، ليس فقط في مصر، بل في أغلب الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء. 

وتشير دراسات اقتصادية حديثة إلى أن تصاعد تكاليف الحياة بوتيرة أسرع من نمو الأجور الحقيقية خلق واقعًا جديدًا، بات فيه “الشغل الإضافي” ضرورة اقتصادية أكثر منه خيارًا شخصيًا.

وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لا يزال بندا الطعام والسكن يستحوذان على النصيب الأكبر من إنفاق الأسر المصرية، في وقت سجل فيه التضخم السنوي مستويات مزدوجة الرقم خلال السنوات الأخيرة، قبل أن يتراجع نسبيًا في 2025. 

ورغم هذا التراجع، تشير الأرقام الرسمية إلى أن الأسعار التراكمية للسلع الأساسية ارتفعت بمعدلات تفوق الزيادات في الدخول، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأجور.

وحسب تقارير البنك الدولي، فإن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع التضخم، بل فيما يُعرف بـ”ضعف نمو الأجور الحقيقية”، أي أن الزيادات الاسمية في الرواتب لا تعوض الارتفاع الفعلي في تكاليف المعيشة. 

وفي الحالة المصرية، تُظهر بيانات اقتصادية أن الأجور نمت بوتيرة أبطأ من أسعار الغذاء والخدمات، ما جعل شريحة واسعة من العاملين عاجزة عن الاكتفاء بدخل واحد.

وتشير وكالة رويترز، في تقاريرها حول سوق العمل المصري، إلى أن رفع الحد الأدنى للأجور –رغم أهميته الاجتماعية– لم ينهِ الفجوة بين الدخل والإنفاق، خاصة في المدن الكبرى، حيث ترتفع كلفة السكن والنقل والخدمات بوتيرة أعلى من المتوسط العام. وهو ما دفع كثيرين إلى البحث عن وظائف إضافية أو مصادر دخل موازية.

على المستوى العالمي، تُظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن عدد العاملين بأكثر من وظيفة وصل في 2024 إلى أعلى مستوى له منذ التسعينيات، مدفوعًا بالسبب نفسه: عدم كفاية الدخل الأساسي. 

وتشير تحليلات منشورة في "Forbes" و"The Economist" إلى أن هذا التحول لم يعد مرتبطًا بتحقيق الرفاهية، بل أصبح وسيلة لتأمين الاحتياجات الأساسية ومواجهة تقلبات الاقتصاد.

وفي مصر، لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد من يعملون بوظيفتين، لكن تقارير بحثية صادرة عن المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية وشبكة البحوث الاقتصادية (ERF) تؤكد وجود توسع ملحوظ في العمل غير الرسمي والعمل الحر، خاصة بين الشباب، كآلية لتعويض ضعف الأجور في الوظائف التقليدية. 

كما تشير هذه الدراسات إلى أن الاقتصاد الرقمي ومنصات العمل المرن لعبت دورًا في تسهيل هذا التحول.

وتوضح دراسات منظمة العمل الدولية أن الاقتصادات التي تشهد فجوة بين الإنتاجية والأجور تميل إلى خلق نمط “تعدد مصادر الدخل”، حيث يصبح العامل مضطرًا لتوزيع وقته بين أكثر من نشاط لضمان مستوى معيشي مقبول. 

هذا النمط، رغم أنه يرفع الدخل الإجمالي، إلا أنه ينعكس سلبًا على الاستقرار الوظيفي والصحة النفسية وجودة الحياة.

وفي السياق المصري، يتقاطع هذا التحليل مع واقع اجتماعي واضح: ارتفاع تكاليف التعليم، العلاج، والإيجار، مقابل دخول ثابتة أو بزيادات محدودة. 

وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن جزءًا متزايدًا من إنفاق الأسر يذهب لتغطية نفقات جارية، لا للادخار أو تحسين مستوى المعيشة، ما يعزز الحاجة إلى دخل إضافي.