في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا وما تفرضه من تداعيات مباشرة وغير مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، يبرز قطاع الزراعة كأحد أكثر القطاعات تأثرًا بهذه الاضطرابات، خاصة مع ارتباطه الوثيق بتوافر الأسمدة الزراعية التي تُعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق الإنتاج.
ومع اعتماد صناعة الأسمدة بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للطاقة، فإن أي خلل في إمداداته أو ارتفاع أسعاره ينعكس سريعًا على حجم الإنتاج العالمي وتكاليفه، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن استقرار الأمن الغذائي العالمي، في ظل توقعات بتراجع الإنتاج الزراعي في عدد من الدول.
في هذا السياق، حذر الدكتور مجدي عبد الظاهر، رئيس قسم وقاية النباتات وأستاذ كيمياء وسمية المبيدات، من أن نقص الأسمدة الزراعية قد يؤدي بشكل مباشر إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمات غذائية واسعة النطاق، قد تصل في بعض السيناريوهات إلى حد المجاعة، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الغذاء والمدخلات الزراعية.
وأوضح أن صناعة الأسمدة تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، حيث يمثل أكثر من 60% من الطاقة المستخدمة في عمليات الإنتاج، ما يجعل هذا القطاع شديد الحساسية لأي اضطرابات في أسواق الطاقة، مشيرًا إلى أن الارتفاعات في أسعار الغاز أو نقص الإمدادات تؤدي بشكل مباشر إلى تقليل الإنتاج أو زيادة تكلفته، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار الأسمدة عالميًا.
ولفت إلى أن من أبرز الدول المنتجة للأسمدة الزراعية على مستوى العالم روسيا والصين وكندا، إلى جانب عدد من دول الاتحاد الأوروبي مثل هولندا وألمانيا وفرنسا، وكذلك المغرب والولايات المتحدة، مؤكداً أن معظم هذه الدول، باستثناء روسيا التي تتمتع بالاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي وتقوم بتصديره، تعتمد على استيراد الغاز لتشغيل مصانعها، وهو ما يجعل إنتاجها عرضة للتأثر في حال حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد أو ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الأزمات العالمية.
وأشار إلى أن استمرار النزاعات الدولية والحروب يؤدي إلى اضطراب حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما في ذلك إمدادات الغاز الطبيعي، وهو ما ينعكس على إنتاج الأسمدة ويؤدي إلى تراجع المعروض وزيادة الأسعار، هذا التراجع لا يقتصر تأثيره على الدول المنتجة فقط، بل يمتد ليشمل الدول المستوردة التي تعتمد على هذه المنتجات في دعم إنتاجها الزراعي، ما يهدد بانخفاض الإنتاج الزراعي عالميًا.
وأضاف أن التأثيرات لا تتوقف عند الأسمدة فقط، بل تمتد لتشمل نقص المواد الكيميائية والمذيبات العضوية والمشتقات البترولية المستخدمة في تصنيع المبيدات الزراعية، إلى جانب تأثر محطات توليد الكهرباء التي تعتمد على الغاز والنفط، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة ويضاعف من التحديات التي تواجه القطاع الزراعي والصناعي على حد سواء.
واختتم بالتأكيد على أن استمرار هذه الأزمات قد يفرض ضغوطًا كبيرة على الإنتاج الزراعي عالميًا، ما يستدعي تحركًا دوليًا لتأمين سلاسل الإمداد وضمان استقرار أسواق الطاقة، محذرًا من أن أي خلل في هذه المنظومة قد ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي العالمي، في ظل اعتماد مليارات البشر على استقرار الإنتاج الزراعي وتوافر المدخلات الأساسية له.