الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
مؤشرات سوق المال مؤشرات سوق المال

تصاعد الصراع الجيوسياسي يعيد صياغة "عقيدة الاستثمار" في الشرق الأوسط

لم يعد التصعيد العسكري، الذي يشهده الشرق الأوسط حاليًا، مجرد حدث جيوسياسي عابر، بل تحول إلى عامل حاسم يعيد تشكيل خريطة تدفقات رؤوس الأموال العالمية. 

فمع تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، وتنامي الصراعات بالوكالة، باتت قرارات الاستثمار محكومة بمعادلة جديدة تتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية، لتضع ما يعرف بـ“الأمان الجيوسياسي” في صدارة الأولويات.

سيكولوجية البقاء

ويعلق صفوت عبد النعيم، خبير أسواق المال، على تأثيرات التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة على الساحة العربية والآسيوية، بالقول إن هذا التوتر الجيوسياسي لم يكتفِ بهز مؤشرات البورصات فحسب، بل أعاد صياغة "عقيدة الاستثمار" في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

وأضاف عبد النعيم أن قواعد الاستثمار التقليدية التي درسناها على أيدي الأكاديميين، والتي ترتكز على السياسات النقدية، والمزايا النسبية، والمقومات الاقتصادية للدول، أصبحت تتراجع في الوقت الراهن، لتفسح المجال أمام عنصر واحد مسيطر، وهو السيكولوجية الاستثمارية المرتبطة بالأمن العسكري والسياسي.

وأوضح أنه عندما تُقرع طبول الحرب، يسقط منطق الأرقام أمام منطق البقاء، قائلًا: "المستثمر، سواء كان فردًا أو مؤسسة، لن يبحث في تلك اللحظة عن أعلى سعر فائدة أو أسرع نمو في الأرباح، بل سيتجه بدافع نفسي غريزي نحو ما يمنحه الحد الأدنى من مخاطر الانهيار السياسي، أو الاستهداف العسكري".

وشدد عبد النعيم على أن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة لا تقدم في الوقت الراهن دولة تتمتع بميزة "الأمان الاستراتيجي" وسط هذا التوتر سوى الدولة المصرية. فبينما يشتعل الجانب الآسيوي من المنطقة العربية، تبرز مصر كمركز ثقل مستقر بعيدًا عن خطوط التماس المباشرة لهذا الصراع المدمّر.

وصحح خبير أسواق المال المفاهيم السائدة حول طبيعة التدفقات المالية العربية القادمة إلى مصر، لافتًا إلى أنه يجب إدراك أن أي استثمارات أو رؤوس أموال عربية ستدخل مصر في هذه المرحلة لن تكون من قبيل المساندة أو الدعم المالي كما يروج البعض، بل هي في حقيقتها هروب إلى منطقة الأمان الاستثماري.

وأشار إلى أن المستثمر العربي أصبح اليوم يبحث عن مخزن للقيمة، بعيدًا عن ساحات المعارك، وهو ما يتوفر في مصر بوضعها الراهن، في ظل حركة براجماتية للأموال تهدف إلى حماية الثروات من مخاطر الحرب. 

واختتم عبد النعيم رؤيته بأن البورصة المصرية ستكون المستفيد الأكبر من هذا التحول السيكولوجي، موضحًا أنه مع ضيق الخيارات الاستثمارية في المنطقة، ستتجه السيولة العربية والأجنبية لاقتناص فرص في الأصول المصرية التي باتت تمتاز بـ"علاوة أمان" (Safety Premium) لا تتوفر لدى المنافسين، ما يجعل من مصر الوجهة الإجبارية والاختيار الأول للمستثمر الباحث عن الاستقرار قبل العائد في عام 2026.

تحول جذري

وقال محمد دشناوي، خبير أسواق المال، إن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سواء عبر الضربات المباشرة، أو التوترات في مضيق هرمز، والحروب بالوكالة الممتدة من اليمن إلى العراق، لا يمكن قراءته اقتصاديًا باعتباره أزمة أمنية عابرة، بل يمثل تحولًا جذريًا في خريطة تدفقات رؤوس الأموال إقليميًا وعالميًا، كما أوضح أن رأس المال بطبيعته “جبان وذكي”، ويتحرك سريعًا نحو المناطق الأكثر أمانًا واستقرارًا.

وأضاف أن هذه التطورات ستنعكس بشكل مباشر على إعادة توجيه الاستثمارات الخليجية، التي كانت تتوزع بين عواصم مثل دبي وأبوظبي والرياض ومسقط، لتبدأ في البحث عن ملاذات جغرافية بعيدة عن نطاق المخاطر العسكرية، وهو ما يضع مصر في موقع متقدم على خريطة جذب هذه التدفقات.

وأشار دشناوي إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك عدة مقومات تعزز جاذبيته في هذه المرحلة، في مقدمتها الموقع الاستراتيجي، والبعد النسبي عن بؤر التوتر مع إيران، إلى جانب تبني سياسة سعر صرف مرنة ساهمت في تعزيز ثقة المستثمرين، فضلًا عن قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية. كما لفت إلى أن تنوع الفرص الاستثمارية، واستقرار الدولة مقارنة بمناطق الصراع، والدعم الخليجي والغربي، كلها عوامل تدعم فرص تدفق رؤوس الأموال إلى مصر.

وأكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في جذب هذه التدفقات، بل في كيفية إدارتها وتوجيهها نحو استثمارات طويلة الأجل تدعم النمو الاقتصادي المستدام بدلًا من الاعتماد على الأموال الساخنة سريعة الخروج.

وفي الوقت ذاته، حذر من وجود تحديات قائمة، من بينها احتمالات خروج جزء من الاستثمارات قصيرة الأجل من المنطقة، وتأثر تحويلات العاملين بالخارج نتيجة توترات الخليج، إلى جانب الضغوط المحتملة على إيرادات قناة السويس.

واختتم بأن هذه التأثيرات السلبية تظل قصيرة الأجل، في حين أن العوامل الإيجابية المرتبطة بالاقتصاد المصري تمتد على المدى المتوسط والطويل، وهو ما يرجح تحسن الأداء الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.