في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتزايد أهمية سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، تبرز اللوجستيات كأحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز القدرة التنافسية للدول.
وفي هذا السياق، يأتي توجه الدولة المصرية نحو إنشاء مجلس أعلى للوجستيات وجهاز لتنظيم الخدمات الوطنية، كخطوة تستهدف تطوير هذا القطاع الحيوي ضمن رؤية تحويل مصر إلى مركز لوجستي إقليمي وعالمي.
وأكد الدكتور محمد كامل إبراهيم، الاستشاري والباحث في النقل الدولي واللوجستيات، أن إنشاء المجلس الأعلى للوجستيات وجهاز تنظيم الخدمات الوطنية يمثل خطوة إيجابية ومحورية، لكنه شدد على ضرورة عدم اختزال دورهما في قطاع النقل فقط، لأن اللوجستيات مفهوم أشمل يجمع بين الأبعاد الإدارية والهندسية والعسكرية.
وأوضح أن خبراء الإدارة ينظرون إلى اللوجستيات باعتبارها عمليات تخطيط وتنظيم ومتابعة ورقابة، بينما يراها خبراء الهندسة جزءًا من إدارة المشروعات وفق منظومة المدخلات والتشغيل والمخرجات، في حين يعتبرها العسكريون أساس العمليات، مؤكدًا أن هذه الرؤى مجتمعة تعكس الطبيعة المتكاملة للقطاع.
وأشار إلى أن النقل يمثل ما بين 40% إلى 60% من التكاليف اللوجستية، إلا أن هناك عناصر أخرى لا تقل أهمية، مثل إدارة أوامر الطلب، والمخازن، والخدمات اللوجستية للطرفين الثالث والرابع، وإدارة المعلومات، واللوجستيات العكسية.
ولفت إلى أن مصر تمتلك تجربة ناجحة في اللجنة الوطنية لتيسير النقل والتجارة، التي ساهمت في تحسين الإجراءات دون تهميش أي جهة، وهو ما يجب الاستفادة منه حاليًا، محذرًا من قصر إدارة المنظومة على جهة واحدة.
وشدد على ضرورة توسيع عضوية المجلس والجهاز لتشمل مختلف الجهات الحكومية المعنية، مثل وزارات المالية، والتموين، والتخطيط، والتعاون الدولي، والصناعة، والدفاع، والداخلية، والنقل، والاتصالات، إلى جانب دور نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
كما أكد أهمية إشراك القطاع الخاص، من خلال جمعيات رجال الأعمال، وعلى رأسها جمعيتا رجال الأعمال المصريين والإسكندرية، والشعب المهنية لمقدمي الخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى الاتحاد العام للغرف التجارية، وغرف الملاحة، واتحاد الصناعات، والبنوك، والمؤسسات الأكاديمية، وخبراء اللوجستيات، وأجهزة مثل جهاز حماية المنافسة.
وأوضح أن نجاح هذه الكيانات يتطلب تحديد رؤية واستراتيجية واضحة بأهداف زمنية محددة، مؤكدًا أن تحسين ترتيب مصر في مؤشر الأداء اللوجستي هدف جزئي، بينما الهدف الأشمل يتمثل في تحقيق منافسة عادلة، وتعزيز الشفافية، وإعداد كوادر مؤهلة وفق المعايير الدولية.
وأشار إلى أن إنشاء هذه المنظومة يمثل فرصة لتعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر وتطور بنيتها التحتية، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع ضرورة التركيز على تحقيق قيمة مضافة وتبني سياسات متقدمة في اللوجستيات العكسية وتحليل البيانات.
وأكد أن اللوجستيات لا تقتصر على السلع، بل تمتد إلى الخدمات، ما يستلزم تطوير إدارة البيانات والتحول الرقمي، إلى جانب تفعيل الاتفاقيات التجارية الدولية والاستفادة منها بشكل عملي.
واقترح وضع معايير لتقييم الأداء وربط استمرار العضوية بالكفاءة، مع ضمان استدامة المنظومة بحيث لا تتأثر بتغير الحكومات، وتحقيق التكامل بين الجهات لضمان انسياب السلع بكفاءة.
كما دعا إلى تقديم مقترحات تشريعية لتطوير القطاع، وتعظيم الاستفادة من مشروعات البنية التحتية، مثل الطرق والقطار السريع، من خلال ربطها برؤية لوجستية متكاملة.
واختتم بالتأكيد على أهمية التوسع في إنشاء تجمعات لوجستية صناعية تستهدف الصناعات ذات القيمة المضافة، خاصة في قطاع النقل الثقيل، مشيرًا إلى امتلاك الشركات المصرية خبرات متميزة يمكن تعظيمها بإزالة المعوقات، بما يدعم تحقيق نقلة نوعية في الاقتصاد المصري.