لم يكن تراجع معدل التضخم السنوي في مصر من مستوى قياسي بلغ 38% في سبتمبر 2023 إلى 10.3% بنهاية ديسمبر 2025 مجرد رقم اقتصادي عابر، بل يمثل أحد أكثر التحولات الاقتصادية دراماتيكية خلال السنوات الأخيرة. فبعد موجة تضخمية غير مسبوقة أرهقت الأسر والشركات وأربكت الأسواق، بدأت المؤشرات تكشف عن تغير ملموس في المشهد النقدي والأسعاري، لتنتقل مصر من مرحلة احتواء الأزمة إلى اختبار أكثر تعقيدًا يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار دون إبطاء النشاط الاقتصادي.
وجاء هذا التحول نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية. أولها تحرير سعر الصرف في مارس 2024، وهو القرار الذي أنهى حالة التشوه التي كانت تعاني منها سوق النقد الأجنبي، وأعاد تسعير السلع والخدمات وفق آليات أكثر وضوحًا. أما العامل الثاني فتمثل في السياسة النقدية المتشددة التي انتهجها البنك المركزي، بعدما رفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية بلغت 28.25%، في محاولة لامتصاص السيولة والحد من الضغوط التضخمية. بينما جاء العامل الثالث من جانب الأسواق نفسها، مع تراجع الضغوط على أسعار الغذاء التي كانت المحرك الأكبر لموجة التضخم السابقة.
ومع انحسار الضغوط السعرية، بدأ البنك المركزي في تغيير اتجاهه تدريجيًا، ليعلن أول خفض للفائدة في أبريل 2025 بمقدار 225 نقطة أساس، في إشارة فسرتها الأسواق باعتبارها إعلانًا غير مباشر عن تزايد الثقة في استدامة مسار التراجع التضخمي. ولم يعد الهدف حينها مكافحة ارتفاع الأسعار فقط، بل دعم الاستثمار والنشاط الإنتاجي دون السماح بعودة التضخم إلى الارتفاع مجددًا.
ورغم هذا التحسن، فإن الطريق لم ينته بعد. فالتضخم الأساسي، الذي يقيس الضغوط السعرية باستبعاد السلع الأكثر تقلبًا مثل الغذاء والطاقة، ظل عند مستوى 11.8% بنهاية 2025، وهو ما يعكس استمرار وجود ضغوط كامنة داخل الاقتصاد. كما أن البنك المركزي لا يزال يستهدف الوصول بالتضخم إلى نطاق 7% ± نقطتين مئويتين بحلول نهاية 2026، ما يعني أن المسافة بين الوضع الحالي والمستهدف لم تُغلق بالكامل.
وعلى مستوى المواطن، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من الأرقام الرسمية. فبينما شهدت أسعار عدد من السلع الغذائية والخضروات واللحوم تراجعًا نسبيًا خلال الأشهر الأخيرة، استمرت خدمات أساسية مثل الكهرباء والغاز في تسجيل زيادات، وهو ما جعل شعور الأسر بانخفاض التضخم أقل وضوحًا من المؤشرات الإحصائية. فالتضخم لا يقاس فقط بمعدل الزيادة السنوي، بل بقدرة المواطنين على ملاحظة تحسن فعلي في تكلفة المعيشة.
وبالنسبة للاقتصاد المصري، فإن كسر موجة التضخم يمثل مكسبًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد استقرار الأسعار. فالتضخم المرتفع كان أحد أبرز العوائق أمام الاستثمار طويل الأجل، كما كان يضغط على قيمة الدخول الحقيقية ويضعف القدرة الشرائية للأسر. لذلك فإن نجاح الحكومة والبنك المركزي في خفضه يفتح الباب أمام دورة جديدة من النمو يقودها الاستثمار والإنتاج، شريطة ألا يؤدي التيسير النقدي المرتقب إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية من جديد.