بعد سنوات من التقلبات الاقتصادية والضغوط التي فرضتها أزمة العملة الأجنبية، بدأت مؤشرات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر ترسم صورة مختلفة. فقد سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 9.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 6 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بنمو يقترب من 55%، في إشارة إلى تحسن شهية المستثمرين تجاه السوق المصرية.
ولا تعكس هذه القفزة مجرد زيادة رقمية في التدفقات المالية، بل تكشف عن تحول أعمق في نظرة المستثمرين إلى الاقتصاد المصري بعد سلسلة من الإصلاحات النقدية والمالية التي بدأت منذ تحرير سعر الصرف في مارس 2024. فاستقرار سوق النقد الأجنبي وتراجع الضغوط على العملة المحلية ساهما في تقليص أحد أكبر المخاطر التي كانت تواجه المستثمرين الأجانب خلال السنوات الماضية.
تدفقات الاستثمار الأجنبي
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن تدفقات الاستثمار الأجنبي الواردة إلى مصر ارتفعت من نحو 12.5 مليار دولار في العام المالي 2015/2016 إلى 23.7 مليار دولار خلال 2024/2025، مدعومة بصفقة رأس الحكمة التي مثلت نقطة تحول فارقة في قدرة الدولة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية واسعة النطاق.
لكن اللافت في البيانات الحديثة أن الجزء الأكبر من التدفقات لم يأت فقط من مستثمرين جدد، بل من أرباح أعادت الشركات الأجنبية استثمارها داخل السوق المصرية. وهذه نقطة مهمة اقتصاديًا، لأن المستثمر الذي يقرر إعادة ضخ أرباحه في السوق يكون قد اتخذ قرارًا ضمنيًا بالاستمرار والتوسع، وهو ما يمنح الاقتصاد إشارة ثقة أقوى من مجرد دخول استثمارات جديدة قصيرة الأجل.
التحديات قائمة
ورغم هذا التحسن، لا تزال بعض التحديات قائمة. فالاستثمارات في القطاع البترولي تشهد تذبذبًا واضحًا نتيجة تقلبات الأسواق العالمية وتغيرات أسعار الطاقة، كما أن المؤسسات الدولية تواصل مطالبة الحكومة بتسريع برنامج التخارج من بعض الأصول والشركات المملوكة للدولة لتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع مصر تحويل هذه التدفقات إلى استثمارات إنتاجية تخلق وظائف وتزيد الصادرات؟ فنجاح أي اقتصاد لا يقاس فقط بحجم الأموال الداخلة إليه، بل بقدرته على توظيف تلك الأموال في مصانع ومشروعات وأنشطة تولد قيمة مضافة مستدامة. وفي حال نجحت الحكومة في ذلك، فقد يتحول الاستثمار الأجنبي من مجرد مصدر للنقد الأجنبي إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.