عندما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في مايو 2017 أن إنتاج الصوبة الواحدة يعادل إنتاج نحو عشرة أفدنة من الزراعة التقليدية، بدا المشروع القومي للصوب الزراعية أحد أكثر المشروعات الزراعية طموحًا في تاريخ مصر الحديث.
الهدف كان واضحًا: إنتاج غذاء أكثر باستخدام مياه أقل، ورفع جودة المحاصيل، وزيادة الصادرات، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل، وصولًا إلى إنشاء 100 ألف صوبة زراعية قادرة على إحداث نقلة في منظومة الأمن الغذائي.
وبعد مرور نحو تسع سنوات، يطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى اقترب المشروع من تحقيق هذه الأهداف؟
مشروع ضخم بطموحات غير مسبوقة
انطلقت المرحلة الأولى من المشروع القومي للصوب الزراعية عام 2016 باستثمارات قُدرت بنحو 40 مليار جنيه، مستهدفة إنشاء 40 ألف صوبة زراعية ضمن مشروع المليون ونصف المليون فدان، على أن تتوسع الخطة لاحقًا إلى 100 ألف صوبة تغطي مساحة تقارب 100 ألف فدان.
وتوزعت مواقع التنفيذ بين غرب المنيا والمغرة وسيناء والمراشدة وحلايب وشلاتين، في إطار خطة تستهدف نشر الزراعة الحديثة خارج الوادي والدلتا.
لماذا راهنت الدولة على الصوب؟
جاءت الفكرة استجابة لتحديين رئيسيين يواجهان الزراعة المصرية: محدودية المياه، والزيادة المستمرة في الطلب على الغذاء.
وتتميز البيوت المحمية بإنتاجية مرتفعة مقارنة بالزراعة التقليدية، إذ يمكن للصوبة الواحدة إنتاج كميات كبيرة من المحاصيل على مدار العام، مع خفض استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 40 و60%، إضافة إلى تقليل تأثير التقلبات المناخية والآفات الزراعية، وتحسين جودة المحاصيل المخصصة للتصدير.
كما تسمح الصوب بالإنتاج خارج المواسم الطبيعية، وهو ما يمنح المنتج المصري فرصة الدخول إلى الأسواق العالمية في فترات ترتفع فيها الأسعار.
ماذا تحقق على أرض الواقع؟
شهد المشروع تنفيذ عدد من المجمعات الزراعية الكبرى، من بينها 600 بيت زراعي في منطقة العاشر من رمضان، مزودة بمحطات فرز وتعبئة حديثة، إضافة إلى 514 صوبة زراعية نفذتها الهيئة العربية للتصنيع في شرق الإسماعيلية.
كما يضم مشروع مستقبل مصر أحد أكبر مجمعات البيوت المحمية في البلاد، حيث يحتوي مجمع اللاهون بمحافظة الفيوم على 1800 صوبة زراعية تنتج الخضروات والفاكهة والنباتات الطبية والعطرية وزهور القطف الموجهة للتصدير.
ووفقًا لبيانات مشروع مستقبل مصر، تجاوز عدد الصوب المنفذة حتى عام 2025 13 ألف صوبة تعمل بأنظمة ذكية وتحقق وفرًا كبيرًا في استهلاك المياه.
أين تكمن الفجوة؟
رغم هذه الإنجازات، تبقى الفجوة بين المستهدف والمتحقق واضحة.
فالخطة الأصلية كانت تستهدف الوصول إلى 100 ألف صوبة خلال سنوات قليلة، بينما تشير البيانات الرسمية حتى عام 2025 إلى تنفيذ نحو 13 ألف صوبة فقط، أي ما يقارب 13% من الهدف المعلن.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة فشل المشروع، لكنها تكشف أن وتيرة التنفيذ جاءت أبطأ بكثير من التقديرات الأولية.
لماذا تباطأ التنفيذ؟
ترجع هذه الفجوة إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها ارتفاع تكلفة إنشاء الصوب الحديثة مقارنة بالتقديرات الأولى، وتعقيدات توفير مصادر مياه مناسبة في بعض المناطق الجديدة، إلى جانب الوقت الذي استغرقته أعمال البنية التحتية وشبكات الكهرباء والطرق قبل التوسع في إنشاء الصوب.
كما واجه المستثمرون الشباب تحديات تتعلق بتمويل المشروعات، رغم برامج القروض الميسرة التي وفرتها الدولة لدعم الاستثمار الزراعي.
جدل بين الانتقاد والدفاع
أثار المشروع خلال السنوات الأخيرة نقاشًا واسعًا، خاصة بعد تداول صور لصوب بدت متوقفة عن الإنتاج، وهو ما دفع البعض إلى التشكيك في جدواها.
لكن وزارة الزراعة نفت هذه الاتهامات، موضحة أن الصوب تمر بشكل دوري بمراحل صيانة وتعقيم وتشميس بين المواسم الزراعية، وهي إجراءات طبيعية قد تُفسر خطأ باعتبارها توقفًا عن العمل.
كما يؤكد مختصون أن البيوت المحمية أسهمت في زيادة إنتاجية وحدة المساحة عدة مرات، وساعدت في الحد من تأثير موجات الحر والبرد، وفي الحفاظ على استقرار المعروض من الخضروات، خاصة خلال فترات التقلبات المناخية.
ماذا حققت الصوب بالفعل؟
ورغم استمرار الفجوة بين المستهدف والمنفذ، حقق المشروع عددًا من النتائج الملموسة.
فقد ساهم في ترشيد استهلاك المياه، ورفع جودة المحاصيل، وتوسيع الإنتاج خارج المواسم التقليدية، كما دعم صادرات الخضر والزهور، وساعد على نشر تقنيات الزراعة الذكية بين المزارعين.
ويُعد المشروع أيضًا أحد العوامل التي دعمت الأداء الإيجابي للصادرات الزراعية المصرية، والتي سجلت مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة.