أجمع مسؤولون حكوميون ومستثمرون وقادة أعمال اَسيويون أن التوترات الجيوسياسية لم تعد أحداثًا عابرة يمكن التعامل معها بمنطق رد الفعل، بل أصبحت جزءًا ثابتًا من البيئة الاقتصادية العالمية، ما يفرض على الدول والشركات تبني استراتيجيات طويلة الأجل، تركز على تعزيز القدرة على الصموت بدلًا من الاكتفاء بالموازنة بين الولايات المتحدة والصين وذلك وفقًا لوكالة رويترز.
خريطة تكيف المستثمرين مع التغيرات الجيوسياسية
وجاءت هذه الرؤية خلال جلسات فعالية "رويترز نكست اَسيا" المنعقدة في سنغافورة حيث ناقش صانعو السياسات ومديرو صناديق الثروة السيادية وشركات الاستثمار الخاصة كيفية التكيف مع نظام عالمي أكثر تشتتًا وتعقيدًا وما يستلزمه ذلك من إعادة صياغة للاستراتيجيات الاستثمارية والسياسات الاقتصادية.
وفي هذا السياق أوضح نائب وزير المالية التايلاندي سانتيتارن ساثير أن بلاده تعتمد مقاربة عملية علاقاتها الاقتصادية تقوم على التعاون مع مختلف الشركاء وفقًا للمصالح الوطنية بعيدًا عن الاصطفاف مع أي قوة دولية.
وقال:إن تايلاند تسعى إلى أن تكون "حلقة وصل موثوقة"في عالم يتسم بالتشتت مشيرًا إلى أن الأولوية لم تعد تقتصر على جذب الاستثمارات الأجنبية بل تمتد إلى تحسين جودتها عبر التركيز على المشروعات التي تنقل التكنولوجيا وتوفر وظائف ذات مهارات عالية وتعزز سلاسل التوريد المحلية بغض النظر عن جنسية المستثمر.
عدم اليقين الجيوسياسي تخلق فرصًا للمستثمرين طويلة الأجل
ومن جانبها اعتبرت كلارا تشان الرئيسة التنفيذية لمؤسسة "هونغ كونغ للاستثمار" أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي لا تمثل مصدر مخاطر فقط بل تخلق أيضًا فرصًا للمستمرين الذين يتبنون رؤية طويلة الأجل.
وأشارت إلى أن المؤسسة التي تأسست قبل أربع سنوات واستثمرت في أكثر من 200 شركة تواصل توسيع نشاطها مستفيدة من مكانة هونغ كونغ كمركز مالي عالمي وبوابة إلى البر الرئيسي الصيني.
وأضافت: أن المستثمرين أصبحوا يمنحون أولوية أكبر لوضوح السياسات والرؤية بعيدة المدى وتكافؤ الفرص مقارنة بتأثرهم بالتطورات الجيوسياسية اليومية.
بدوره قال روهيت سيباهيمالاني كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق تماسيك السنغافوري:إن المستثمرين يعملون حاليًا في "عالم من عدم اليقين" يتشكل بفعل الجغرافيا السياسية والذكاء الاصطناعي والتغير المناخي والتضخم.
وحذر من أي محاولة التحوط ضد كل صدمة أو الاستجابة لكل تطور قد تؤدي إلى خسائر كبيرة، داعيًا إلى بناء محافظ استثمارية أكثر مرونة تعتمد على شركات تمتلك أسواقًا محلية قوية وسلاسل إمداد أكثر استقلالية وقدرات تكنولوجية قادرة على مواجهة الانقسامات الجيوسياسية.
وأضاف:"لا يمكن التحوط ضد كل حالة عدم يقين ولا يمكن التفاعل مع كل حدث".
ورأي مستثمرو الأسهم الخاصة أن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين لم تقلل من جاذبية اَسيا بل عززت مكانتها رئيسية لتنويع الاستثمارات العالمية.
وقالت ستيفاني هوي رئيسة الاستثمار المباشر في اَسيا لدى جولدمان ساكس لإدارة الأصول:إن اَسيا ستضم نحو ثلثي الطبقة المتوسطة في العالم بحلول عام 2030 كما ستسهم بنحو 60% من النمو الاقتصادي العالمي ما يدفع المستثمرين إلى زيادة انكشافهم على المنطقة.
ومن جهته أوضح فريد هو مؤسس بريمافيرا كابيتال أن اَسيا تمثل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي وحوالي 40% من التجارة العالمية والاستثمار الأجنبي المباشر فضلًا عن كونها مركز التصنيع الرئيسي في العالم ما يجعلها بمثابة "ملاذ اَمن" نسبيًا في ظل حالة عدم اليقين العالمية.
وأضاف أن القارة الاَسيوية تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار مقارنة بمناطق أخرى شهدت صراعات وحروبًا خلال السنوات الأخيرة.
وفي السياق ذاته أشار ساتوشي أوياما من باين كابيتال إلى أن التنوع الاقتصادي داخل اَسيا يمثل أحد أبرز عناصر قوتها مستشهدًا بالإصلاحات المؤسسية في اليابان والنمو السكاني والاستثمارات في البنية التحتية في الهند والابتكار المستثمر في الصين بالإضافة إلى الدور المتنامي لجنوب شرق اَسيا في تنويع سلاسل الإمداد العالمية مؤكدًا أن المنطقة لا تزال توفر فرصًا استثمارية كبيرة رغم التحديات العالمية بفضل تنوع اقتصاداتها وقدرتها على التكيف مع التحولات الدولية.