الأحد، 12 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
حسام هيبة رئيس شركة أوربس للاستثمارات والرئيس الأسبق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة حسام هيبة رئيس شركة أوربس للاستثمارات والرئيس الأسبق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة

حسام هيبة: البرنامج الاقتصادي الوطني ليس مجرد خطة إنعاش بل وثيقة سيادة اقتصادية

أكد حسام هيبة، رئيس شركة أوربس للاستثمارات والرئيس الأسبق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، أن التوجيه الرئاسي بإعداد برنامج اقتصادي متكامل في هذا التوقيت يمثل لحظة فارقة، لا سيما أنه يتزامن مع وثيقة سياسة ملكية الدولة (2026–2030)، والتي لم تعد مجرد إطار تقليدي، بل إعلانًا لهوية اقتصادية جديدة ترسم لمصر مستقبلًا كمركز عالمي محوري للطاقة واللوجستيات، ووادي تكنولوجي ناشئ في القلب من الشرق الأوسط وأفريقيا.

وقال في تصريحات خاصة لـ"عالم المال": إن البرنامج يحمل رسالة حاسمة بأن مصر تنتقل من مرحلة "الإصلاح والتصحيح" إلى مرحلة "الانطلاق التنافسي"، مشيرًا إلى أن استقرار السياسات وسرعة التنفيذ أصبحا أكثر تأثيرًا في قرارات المستثمرين من الحوافز التقليدية، فيما تتمثل الرسالة الأعمق في إنهاء حالة تعدد الجهات والانتقال إلى نموذج الدولة الممكنة، التي يقتصر دورها على تمكين القطاع الخاص ووضع قواعد مستقرة وطويلة الأجل للاستثمار في الطاقة والبنية التحتية.

ورأى أن البرنامج الاقتصادي يجب أن يرتكز على أربعة محاور رئيسية تشمل ترسيخ الحياد التنافسي عبر تفعيل التخارج الحكومي من الأنشطة غير الاستراتيجية، وحسم الهوية الاقتصادية لمصر كمركز للطاقة واللوجستيات، وإحداث طفرة في الابتكار من خلال حاضنات للشركات الناشئة في التقنيات العميقة، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري وربط مخرجات التعليم باحتياجات التصنيع والرقمنة.

وأضاف أن تجربة الإصلاح الاقتصادي أكدت أن الإصلاح النقدي والمالي، رغم أهميته، لا يكفي بمفرده، موضحًا أن غياب الهوية الاقتصادية الواضحة يشتت الاستثمارات، وهو ما يستلزم تطوير آليات التنفيذ من خلال منصة رقمية موحدة للتراخيص وفك التشابكات بين الجهات المختلفة لضمان سرعة التنفيذ.

وأوضح أن جعل الاستثمار المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي يتطلب ربطه بمشروعات الهوية الكبرى، عبر استهداف استثمارات بقيمة 32 مليار دولار في قطاعي الطاقة واللوجستيات خلال خمس سنوات، تشمل إنشاء وحدات إسالة جديدة، ومد شبكات الربط الكهربائي مع أوروبا، وتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى منطقة لوجستية ذكية من الجيل الرابع، بما يرفع إيرادات الخدمات البحرية إلى 15 مليار دولار بحلول 2030.

كما دعا إلى إطلاق صندوق وطني للشركات الناشئة برأسمال 30 مليار جنيه لدعم الاستثمار في التكنولوجيا المالية والزراعية والبيولوجية والذكاء الاصطناعي، مع مضاعفة عدد الشركات الناشئة ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات، واستهداف ظهور خمس شركات مصرية "يونيكورن" تتجاوز قيمتها المليار دولار بحلول 2030.

وأشار إلى أن تحسين مناخ الاستثمار يتطلب حزمة إصلاحات تشريعية وتمويلية وتنظيمية تشمل إصدار قانون حوافز جديد لمشروعات الهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات، وتعميق أسواق المال لتوفير أدوات ائتمانية طويلة الأجل، وإنشاء نافذة استثمارية موحدة تربط بين هيئة الاستثمار والجمارك والضرائب، وتمنح الموافقات خلال 20 يوم عمل.

وأضاف أن تعزيز ثقة المستثمرين يرتبط بتحقيق "الإنجاز المرئي" على أرض الواقع، من خلال الإسراع في طرح فرص الاستثمار في الهيدروجين الأخضر والموانئ الجافة عبر صندوق مصر السيادي، وتفعيل آليات فض المنازعات التحكيمية الدولية، والاستمرار في الحوار الدوري مع المستثمرين لإزالة العقبات بصورة فورية.

وأكد أن القطاع الخاص يجب أن يكون شريكًا تنفيذيًا لا استشاريًا، داعيًا إلى رفع مساهمته إلى 66% من إجمالي الاستثمارات، وإسناد إدارة وتشغيل مشروعات البنية التحتية اللوجستية إليه عبر عقود شراكة طويلة الأجل، مع توفير ضمانات سيادية جزئية للمشروعات التصديرية بما يسهل حصولها على التمويل البنكي.

وأوضح أن القطاعات ذات الأولوية لجذب استثمارات ذات قيمة مضافة وزيادة الصادرات وخلق فرص عمل مستدامة تشمل الصناعات التحويلية المرتبطة بتعميق التصنيع، وفي مقدمتها الحديد والصلب والأدوية والأسمدة، إلى جانب مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين لجعل مصر سلة إمداد لأوروبا، والتكنولوجيا الزراعية لزيادة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الأساسية وتقليل الفاتورة الاستيرادية، فضلًا عن مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي لتحويل مصر من مستهلك رقمي إلى مصدر للحلول التكنولوجية لأفريقيا.

وأضاف أن تعزيز تنافسية مصر إقليميًا يتطلب استغلال موقعها الجغرافي الفريد ليس كمعبر فقط، بل كحلقة وصل متكاملة، عبر ربط موانئ البحر المتوسط بالبحر الأحمر بقطار كهربائي سريع، وربط شبكات الغاز والكهرباء بالقارة الأوروبية، وجعل مصر الوجهة الإلزامية للمستثمرين الراغبين في النفاذ إلى أسواق أفريقيا وأوروبا ودول اتفاقيتي الكوميسا والأغادير.

وأشار إلى أن نجاح البرنامج الاقتصادي يستلزم وضع مؤشرات أداء واضحة لقياس مستهدفاته، تشمل رفع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من 2.5% إلى 3% من الناتج المحلي، وزيادة معدل دوران الحاويات بالموانئ المصرية كمؤشر على جاذبية قطاع اللوجستيات، إلى جانب متابعة قيمة تمويلات رأس المال الجريء للشركات الناشئة، ونسبة الصادرات التكنولوجية من البرمجيات والرقائق إلى إجمالي الصادرات، وعدد براءات الاختراع المسجلة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي.

وأوصى بأن يتضمن البرنامج الوطني ملحقًا استراتيجيًا يحدد بوضوح "الهوية الاقتصادية المصرية 2030"، القائمة على ثلاث ركائز هي: طاقة عالمية، وبوابة لوجستية، ووادٍ تكنولوجي، مقترحًا إنشاء مجلس أعلى للتنفيذ برئاسة رئيس الوزراء لمتابعة مستهدفات الطاقة واللوجستيات أسبوعيًا، وتفعيل مبدأ "المشتري الأول" لتكون الدولة أول عميل للشركات الناشئة الوطنية في مشروعاتها الكبرى، إلى جانب إطلاق برنامج وطني للتدريب المزدوج بالشراكة مع كبرى الجامعات الأوروبية لتأهيل 100 ألف شاب في مجالات الهيدروجين واللوجستيات والذكاء الاصطناعي خلال ثلاث سنوات.

وأكد أن البرنامج الاقتصادي الجديد ليس مجرد خطة إنعاش، بل وثيقة للسيادة الاقتصادية تضع مصر في مصاف الدول المؤثرة في تشكيل خريطة الطاقة والتجارة والابتكار العالمية، مشددًا على أن نجاحه يرتبط باستمرار الإرادة السياسية وتحويل هذه الاستراتيجيات إلى جداول زمنية تنفيذية دقيقة، بما يعزز مكانة مصر كشريك استراتيجي في مستقبل الاقتصاد العالمي، وليس مجرد سوق واعدة.