أكد الخبير الاقتصادي عزت بتران أن اقتراب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والمقرر في نوفمبر المقبل، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السياسات الاقتصادية تعتمد على برنامج اقتصادي وطني شامل، يستهدف الانتقال من مرحلة تحقيق الاستقرار المالي إلى مرحلة النمو الاقتصادي المستدام، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين مستوى معيشة المواطنين، مشيرًا إلى أن البورصة المصرية ستكون أحد أهم الأدوات القادرة على دعم وتنفيذ مستهدفات هذا البرنامج.
وأوضح بتران أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعداد "البرنامج الاقتصادي الوطني الشامل" تعكس توجهًا نحو الاعتماد بصورة أكبر على الإمكانات الذاتية للاقتصاد المصري، وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو، وهو ما يمنح سوق المال فرصة أكبر للقيام بدور محوري في توفير التمويل اللازم للتنمية، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الاقتراض.
وأشار إلى أن البورصة المصرية لم تعد مجرد سوق لتداول الأسهم، وإنما أصبحت إحدى أهم آليات التمويل غير المصرفي التي يمكن توظيفها في دعم الاقتصاد الوطني، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من قدرات سوق المال في توفير التمويل اللازم للمشروعات والاستثمارات، بما يساهم في تحقيق مستهدفات البرنامج الاقتصادي الجديد.
وأضاف أن التوسع في المرحلة الثانية من برنامج التخارج الحكومي، وزيادة عدد الطروحات العامة، يمثلان عنصرًا أساسيًا في تعميق سوق المال وزيادة مستويات السيولة، مؤكدًا أن طرح حصص من شركات القطاع العام، إلى جانب تشجيع شركات القطاع الخاص على زيادة رؤوس أموالها من خلال الاكتتابات العامة، سيوفر مصادر تمويل مستدامة للدولة والشركات، دون تحميل الموازنة العامة أعباء اقتراض إضافية.
كما شدد على أهمية التوسع في أدوات التمويل غير المصرفي، مثل السندات والصكوك، باعتبارها وسائل قادرة على جذب شرائح متنوعة من المستثمرين، وتوفير بدائل تمويلية تدعم تنفيذ المشروعات القومية وخطط التنمية، بما يتوافق مع فلسفة البرنامج الاقتصادي الوطني القائم على الاعتماد على الموارد المحلية وتعظيم دور الاستثمار الخاص.
وأوضح بتران أن مؤشرات أداء البورصة خلال الفترة الأخيرة تعكس وجود فرص واعدة أمام عدد من القطاعات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن قطاعي العقارات والخدمات المالية تصدرا تعاملات السوق خلال الربع الثاني من العام الجاري، كما سجل مؤشر EGX30 نموًا ملحوظًا في القيمة السوقية للشركات المكونة له تجاوز 13% خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تحسن شهية المستثمرين تجاه السوق.
وأضاف أن البرنامج الاقتصادي الجديد من المتوقع أن يمنح دفعة قوية للقطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة، والتصدير، والزراعة، والصناعات الغذائية، باعتبارها القطاعات الأكثر قدرة على زيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات، وتوفير العملة الأجنبية، إلى جانب تقليل الاعتماد على الواردات، وهو ما يتوافق مع أهداف الدولة في تحقيق نمو اقتصادي مستدام قائم على الإنتاج.
وأشار إلى أن هذه القطاعات ستكون من أبرز المستفيدين من أي إجراءات تستهدف تحسين مناخ الاستثمار، وتسهيل التمويل، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، الأمر الذي قد ينعكس على أداء الشركات المقيدة بالبورصة ويرفع من جاذبيتها للمستثمرين.
وأكد الخبير الاقتصادي أن نجاح البرنامج الاقتصادي الوطني في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية يتوقف بدرجة كبيرة على وضوح الرؤية الاقتصادية واستقرار السياسات، موضحًا أن غياب اليقين بشأن التوجهات الاقتصادية كان من أبرز التحديات التي أثرت على قرارات المستثمرين خلال الفترات الماضية.
وأضاف أن المستثمر، سواء المحلي أو الأجنبي، يبحث في المقام الأول عن بيئة أعمال مستقرة تتسم بالوضوح والقدرة على التنبؤ، وهو ما يجعل الإعلان عن برنامج اقتصادي واضح المعالم وخريطة تنفيذية محددة عاملًا رئيسيًا في استعادة ثقة الأسواق وزيادة تدفقات رؤوس الأموال.
وشدد بتران على أن تعظيم استفادة البورصة المصرية من المرحلة المقبلة يتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات، في مقدمتها الالتزام الكامل بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص في تنفيذ برنامج التخارج الحكومي، مع الإسراع في تنفيذ الطروحات المعلنة وعدم تأجيلها، بما يعزز ثقة المستثمرين في جدية الإصلاحات الاقتصادية.
كما دعا إلى تحسين مستويات الإفصاح والحوكمة داخل الشركات المقيدة، وتقديم حوافز ضريبية وتشريعية تشجع الشركات العائلية الكبرى على القيد والطرح في البورصة، بما يسهم في زيادة عمق السوق وتوسيع قاعدة الملكية وجذب شرائح جديدة من المستثمرين.
واكد بتران تصريحاته بالتأكيد على أن البورصة المصرية تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون أحد الأعمدة الرئيسية للبرنامج الاقتصادي الوطني، ليس فقط باعتبارها مؤشرًا يعكس ثقة المستثمرين، وإنما كأداة تمويل حقيقية للتنمية الاقتصادية. وأشار إلى أن نجاح هذا الدور سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على تنفيذ تعهداتها بشأن الإصلاحات الاقتصادية، والإسراع في برنامج الطروحات، وتعزيز الشفافية، وتحويل التوجهات المعلنة إلى خطوات تنفيذية ملموسة تدعم النمو الاقتصادي وتجذب الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.