د.وليد عادل: مرونة سعر الصرف وارتفاع العائد وراء تلك القفزة
• الأموال الساخنة مصدر مهم للسيولة.. لكنها الأكثر حساسية للتقلبات العالمية
• التحدي الحقيقي فى تحويل تدفقات المحافظ إلى استثمارات مباشرة ومستدامة
• الاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات وتحويلات العاملين بالخارج هي البديل الأكثر استقرار
د. شيماء وجيه: وصول استثمارات أدوات الدين إلى 53.9 مليار دولار يعكس استعادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري
• نجاح برنامج الطروحات قد يحول المستثمرين من أدوات الدين إلى استثمارات إنتاجية
• الصناعة والطاقة المتجددة واللوجستيات أبرز القطاعات القادرة على جذب الاستثمار طويل الأجل
• انخفاض المخاطر يدفع المستثمرين للقبول بعوائد أقل دون تراجع جاذبية السوق المصرية
بعد سنوات من التقلبات الحادة التي شهدتها تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، عادت استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية لتسجل مستويات قياسية، إذ ارتفعت بنسبة 63.3% خلال 5 سنوات ، حيث كانت قد سجلت 33 مليار دولار في عام 2021 ، فيما صعدت لـنحو 53.9 مليار دولار في عام 2026

وقال الدكتور وليد عادل الخبير المصرفى أن الزيادة في استثمارات الأجانب في أدوات الدين تعكس تحسنًا في جاذبية السوق المصرية لكنها في الوقت نفسه تظل أموالًا سريعة الحركة يمكن أن تتغير اتجاهاتها مع تغير الظروف العالمية
و و أرجع نمو استثمارات الأجانب في أدوات الدين 63.3% خلال 5 سنوات الى تطبيق سياسة سعر صرف أكثر مرونة ما عزز ثقة المستثمرين في إمكانية الدخول والخروج من السوق ، فضلا عن ارتفاع أسعار الفائدة ، وهو ما جعل أذون وسندات الخزانة المصرية من بين الأعلى عائد في الأسواق الناشئة بالإضافة لتحسن السيولة الدولارية بعد صفقة رأس الحكمة وتدفقات التمويل من المؤسسات الدولية ، تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي نسبيا مثل تراجع التضخم تدريجيا وارتفاع الاحتياطي النقدي وتحسن التصنيف الائتماني ونظرة المستثمرين للسوق
وحول الأسباب الحقيقية وراء عودة الأموال الساخنة إلى السوق المصرية بعد موجة الخروج العنيفة في 2022 ، قال أن العودة لم تكن بسبب ارتفاع الفائدة فقط وإنما بسبب تراجع مخاطر نقص العملة الأجنبية مقارنة بما كان عليه الوضع في 2022 ، ووضوح أكبر في السياسة النقدية وسعر الصرف ، وارتفاع الفارق بين العائد في مصر والعائد في الأسواق المتقدمة ، بخلاف تحسن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية بدعم من تدفقات استثمارية وتمويلات دولية ، فضلا عن زيادة شهية المستثمرين عالميًا تجاه بعض الأسواق الناشئة مع تراجع درجة عدم اليقين
و أكد أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين تمثل مصدر مهم للسيولة، لكنها تعد من أكثر التدفقات المالية حساسية للتقلبات العالمية، ما يجعلها عرضة للخروج السريع كما حدث في أزمتي 2020 و2022
وأوضح أنه في حالة تكرار هذا السيناريو، قد تتعرض احتياطيات النقد الأجنبي لضغوط، مع زيادة الضغوط على سعر الصرف، وارتفاع تكلفة الاقتراض المحلي إذا اضطرت الحكومة لرفع أسعار العائد، فضلا عن زيادة تقلبات سوق الدين المحلي وتراجع السيولة ومن ثم تتجه الدولة إلى تنويع مصادر النقد الأجنبي عبر جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة الصادرات، وتعزيز إيرادات السياحة، ورفع تحويلات المصريين بالخارج، لتقليل الاعتماد على الأموال الساخنة ، مشيرا الى أن ارتفاع استثمارات الأجانب في أدوات الدين يسهم في تقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي، لكنه لا يغني عنه بشكل كامل ، إذ أن زيادة إقبال المستثمرين على أدوات الدين المحلية تتيح للحكومة تمويل جانب أكبر من احتياجاتها بالجنيه المصري، بما يخفف الضغوط المرتبطة بالاقتراض بالعملات الأجنبية ويحد من نمو الدين الخارجي
وتابع أنه رغم ذلك تظل هذه الاستثمارات غير كافية كبديل كامل، لكونها في الغالب قصيرة أو متوسطة الأجل، بينما تتطلب مشروعات التنمية والالتزامات الخارجية مصادر تمويل طويلة الأجل ، كما انه لا ينبغي اعتبارها ضمان دائم للاستقرار فهذه الأموال يمكن أن تدخل بسرعة ، فيمكن أن تخرج بسرعة إذا تغيرت الظروف العالمية أو المحلية ولذلك يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الزخم إلى مصادر أكثر استدامة للنقد الأجنبي وفي مقدمتها الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة الصادرات وتعزيز الإيرادات الدولارية طويلة الأجل

و قالت الدكتورة شيماء وجيه الخبيرة الاقتصادية أن وصول استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية إلى نحو 53.9 مليار دولار يعكس استعادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، خاصة بعد تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحسن مؤشرات الاستقرار النقدي وارتفاع الاحتياطي النقدي وتبني سعر صرف أكثر مرونة ، كما أنه يوفر مصدرا مهما للعملة الأجنبية ويساعد الدولة على تمويل احتياجاتها التمويلية
و أكدت أنه لا ينبغي النظر إلى الرقم في حد ذاته باعتباره مؤشرا كافيا على قوة الاقتصاد، لأن استثمارات المحافظ الأجنبية بطبيعتها سريعة الدخول والخروج وتتأثر بتغير أسعار الفائدة العالمية والأوضاع الجيوسياسية وشهية المستثمرين للمخاطر ، اذ أن صحة هذا المستوى مرتبط بقدرته على أن يكون جزءا من هيكل تمويلي متوازن، وليس المصدر الرئيسي لتدفقات النقد الأجنبي
وحول ما اذا كان هناك النسبة الآمنة لاعتماد الدولة على استثمارات المحافظ الأجنبية ، أفادت بأنه لا توجد نسبة دولية ثابتة يمكن اعتبارها آمنة، وإنما يرتبط الأمر بقدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات الخارجية، وحجم الاحتياطيات الدولية، وهيكل الدين العام، وتنوع مصادر النقد الأجنبي ومن الأفضل اقتصاديا ألا تعتمد الدولة بصورة كبيرة على الأموال الساخنة، بل يكون هناك توازن بين استثمارات المحافظ والاستثمار الأجنبي المباشر وإيرادات التصدير والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج وكلما زادت مساهمة المصادر المستقرة وطويلة الأجل، انخفضت مخاطر التعرض لتقلبات الأسواق العالمية، وأصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة أي موجات خروج مفاجئة لرؤوس الأموال
و أشارت الى أن تحويل المستثمر من شراء أدوات الدين إلى الاستثمار المباشر يتطلب توفير بيئة استثمارية أكثر جاذبية واستقرارا ويأتي ذلك من خلال استمرار الإصلاحات الهيكلية، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتسريع إصدار التراخيص، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتوفير حوافز للقطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة كما أن نجاح برنامج الطروحات الحكومية، وتوفير فرص استثمارية واضحة في الصناعة والطاقة المتجددة واللوجستيات والتكنولوجيا، يمكن أن يشجع المستثمر المالي على التحول تدريجيا إلى مستثمر استراتيجي طويل الأجل يضيف طاقات إنتاجية وفرص عمل، بدلا من الاكتفاء بالاستثمار في أدوات الدينن
وأكدت أن تجنب تكرار سيناريو الخروج المفاجئ للأموال يتطلب بناء اقتصاد أكثر تنوع وأقل اعتماد على التدفقات قصيرة الأجل، وذلك من خلال زيادة الصادرات، وتعميق الصناعة المحلية، ورفع معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر، والحفاظ على سعر صرف مرن يعكس قوى السوق، مع استمرار تكوين احتياطيات نقدية قوية تمثل خط الدفاع الأول أمام أي تقلبات خارجية
كما أن الحفاظ على سياسة نقدية ومالية منضبطة، وإدارة آجال الدين بكفاءة، والتوسع في أدوات التمويل طويلة الأجل، كلها عوامل تقلل من حساسية الاقتصاد لتحركات رؤوس الأموال العالمية، وتحد من آثار أي خروج مفاجئ للمستثمرين
و أشارت الى أن تحقيق توازن بين جذب المستثمر الأجنبي وتقليل تكلفة خدمة الدين يمثل أحد أهم التحديات أمام السياسة الاقتصادية خلال المرحلة الحالية فالحفاظ على جاذبية أدوات الدين يتطلب تقديم عائد تنافسي، بينما يستهدف خفض أسعار الفائدة تقليل تكلفة خدمة الدين ودعم الاستثمار والإنتاج
و توقعت أن يتحقق هذا التوازن تدريجيا مع استمرار تراجع معدلات التضخم واستقرار سوق الصرف وتحسن التصنيف الائتماني وزيادة الثقة في الاقتصاد المصري فكلما انخفضت درجة المخاطر، تراجعت العوائد المطلوبة من المستثمرين، وهو ما يسمح للدولة بالاقتراض بتكلفة أقل دون التأثير سلبا على قدرتها في جذب الاستثمارات الأجنبية