الإثنين، 27 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
اقتصاد اقتصاد

«روشتة التوطين».. كيف تحولت مصر إلى مركز إقليمي لسلاسل الإمداد والتصنيع المحلي؟

لم تعد سياسة التصنيع في مصر تقتصر على إنشاء مصانع جديدة، بل تحولت خلال العامين الأخيرين إلى استراتيجية تستهدف إعادة رسم خريطة الاستثمار الصناعي بالكامل، عبر محورين متوازيين: تسهيل دخول المستثمرين من خلال «الرخصة الذهبية»، وتقليل الاعتماد على الواردات عبر تعميق التصنيع المحلي وزيادة المكون المصري في الإنتاج.

وتراهن الحكومة على أن هذا المسار سيجعل مصر مركزًا إقليميًا لسلاسل الإمداد والصناعات التصديرية، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية، في وقت تسعى فيه إلى مضاعفة الصادرات غير البترولية خلال السنوات المقبلة.

الرخصة الذهبية.. اختصار رحلة الاستثمار

أحد أبرز أدوات هذا التحول كان نظام الرخصة الذهبية، الذي أنهى عمليًا رحلة المستثمر بين الجهات الحكومية المختلفة، عبر إصدار موافقة واحدة تشمل تأسيس المشروع، والحصول على الأرض، وتراخيص البناء والتشغيل، على أن تُستكمل الإجراءات خلال 20 يوم عمل بعد استيفاء المستندات.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن عدد الشركات الحاصلة على الرخصة الذهبية ارتفع إلى 54 شركة حتى يونيو 2026، بالتوازي مع إنشاء 7 مناطق استثمارية جديدة، لتضاف إلى 9 مناطق حرة عامة، و222 منطقة حرة خاصة، و12 منطقة استثمارية قائمة، في إطار توسيع البنية الاستثمارية للدولة.

كما شهد شهر مارس الماضي تسليم 8 رخص ذهبية دفعة واحدة لمشروعات تبلغ استثماراتها نحو 1.2 مليار دولار وقرابة 16 مليار جنيه، شملت صناعات استراتيجية مثل الصودا آش والسيليكون والطاقة المتجددة، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو جذب الصناعات كثيفة التكنولوجيا ورأس المال، وليس فقط المشروعات التقليدية.

وفي الوقت نفسه، تعمل الهيئة العامة للاستثمار على إعادة هندسة إجراءات ترخيص نحو 270 نشاطًا اقتصاديًا، مع تطوير منصة رقمية موحدة لإدارة رحلة المستثمر، في خطوة تستهدف تقليل زمن تأسيس المشروعات ورفع تنافسية بيئة الأعمال.

خريطة صناعية جديدة

بالتوازي مع تسهيل إجراءات الاستثمار، توسعت الدولة في إنشاء البنية الصناعية، إذ أنشأت وزارة الصناعة 16 مجمعًا صناعيًا متكاملًا خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، وأصدرت نحو 71 ألف رخصة تشغيل، إلى جانب تطوير منظومة علامة الجودة المصرية وحصولها على اعتماد دولي في خمسة قطاعات صناعية رئيسية.

وتعتمد الاستراتيجية الصناعية الحالية على التركيز على 7 صناعات ذات أولوية، في إطار تنسيق بين وزارات الصناعة والاستثمار والصحة والقطاع الخاص، بهدف توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأعلى قيمة مضافة والأكثر قدرة على المنافسة.

من تعميق الصناعة إلى إحلال الواردات

لكن جوهر الاستراتيجية لا يكمن في جذب المستثمرين فقط، وإنما في تعميق التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

ولهذا الغرض، أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية للتنمية الصناعية حتى عام 2027، التي تستهدف توطين الصناعات ذات الميزة التنافسية، مع تقديم حوافز فنية واستثمارية للمصنعين.

وضمن هذا التوجه، أعدت الحكومة قائمة تضم 152 فرصة استثمارية لمنتجات يجري استيرادها حاليًا ويمكن تصنيعها داخل مصر، بما يسهم في خفض فاتورة الواردات وزيادة القيمة المضافة المحلية.

كما تضع خطة التنمية الاقتصادية أولوية لتصنيع المكونات المستوردة محليًا، إلى جانب التوسع في الصناعات المستقبلية، مثل الهيدروجين الأخضر، ومكونات محطات الطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية.

ويرى وزير الصناعة أن تعميق التصنيع لا يعني فقط رفع نسبة المكون المحلي، وإنما يشمل أيضًا تطوير الصناعات المغذية، وتحسين جودة المنتج، ونقل التكنولوجيا، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها الحلقة الأساسية في سلاسل الإمداد.

الصادرات.. هل بدأت الاستراتيجية تؤتي ثمارها؟

انعكس هذا التوجه تدريجيًا على أداء الصادرات.

فقد ارتفعت الصادرات المصرية خلال أبريل 2026 بنسبة 21.1% لتصل إلى 5.1 مليار دولار، فيما بلغت الصادرات غير البترولية وحدها 4.386 مليار دولار مقابل 3.664 مليار دولار في الشهر نفسه من العام السابق.

وعلى مستوى الربع الأخير من 2025، سجلت الصادرات غير البترولية 12 مليار دولار بنمو 7.1% على أساس سنوي، بينما تصدرت الأحجار الكريمة واللؤلؤ قائمة السلع المصدرة، تلتها الآلات والأجهزة الكهربائية.

كما واصلت الصناعات الكيماوية والأسمدة تحقيق معدلات نمو قوية، بعدما ارتفعت صادراتها إلى 4.874 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، بزيادة بلغت 17% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وتستهدف الحكومة رفع الصادرات غير البترولية إلى 99 مليار دولار بحلول عام 2030، عبر ربط النمو التصديري بتعميق التصنيع المحلي، وليس الاكتفاء بعمليات التجميع أو إعادة التصدير.

الطريق لا يزال طويلًا

ورغم التحسن الملحوظ في مؤشرات الاستثمار والتصدير، فإن الطريق نحو تحقيق المستهدفات الحكومية لا يزال طويلًا.

فالأرقام الحالية تشير إلى صادرات غير بترولية تدور حول 48 مليار دولار سنويًا وفق المعدلات الأخيرة، وهو ما يعني أن الوصول إلى مستوى 99 أو 100 مليار دولار يتطلب مضاعفة القدرات الإنتاجية، وتسريع وتيرة توطين الصناعات المغذية، ورفع نسب المكون المحلي، إلى جانب استمرار الإصلاحات المرتبطة ببيئة الاستثمار وسرعة استخراج التراخيص.

وفي النهاية، تبدو الرخصة الذهبية وتعميق التصنيع المحلي وجهين لاستراتيجية واحدة؛ الأولى تستهدف جذب المصنع إلى مصر، والثانية تستهدف أن تصبح مصر نفسها جزءًا رئيسيًا من سلاسل الإمداد العالمية، لا مجرد سوق للتجميع أو الاستهلاك.