الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار

أسامة مدنى يكتب.. "في الخلود فناء، وفي الفناء خلود" (3) 

يزخر التراث الأسطورى بثنائية الفناء/الخلود. نرى ذلك فى أسطورة أوزوريس Osiris الذى أعادته زوجتة أيزيس Isis من عالم الموتى ليصبح أميراً فى مملكة الموتى، محققاً الخلود. ونراها فى أسطورة بيرسيفونى Perseophone التي اختطفها هاديس Hades، إله الموت، إلى العالم السفلي ولم تعد إلا بعد اتفاق الآلهة لتمكث ثمانية أشهر من كل عام مع الأحياء وأربعة مع الأموات، ومن هنا كان فصل الشتاء قارصاً، حزيناً على مغادرة بيرسيفونى الجميلة. وهناك أخيليس Achilles، نصف الإله الإغريقى، الخالد الجسد إلا من كعب قدميه الذي لم تمسه مياه الخلود لنهر الستايكس Styx، فصار الخالد الفاني في ملحمة هوميروس "الإلياذة" Iliad. وهناك أورفيوس Orpheus، صاحب القيثارة الساحرة، الذي يذهب إلى عالم الموتى لاستعادة زوجتة يوريديس Eurydice، وعندما يفشل يموت كمداً، ليجتمع شملهما مخلدين في العالم الآخر.

أسامة مدنى يكتب.. "في الخلود فناء، وفي الفناء خلود" (2)

تقبع ثنائية الخلود / الفناء فى اللاوعي الجمعي Collective Unconscious حيث تعود إلى قصة الخلق الأولى، وعلاقة آدم "بشجرة الخُلد" التي حذر القرآن من يأكل منها: "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى? شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى? (طه 120). ونزل آدم فى الكتاب المقدس إلى الأرض بعدما أكل من "شجرة المعرفة" محروماً من الخلود، معذباً، فانياً على الأرض لتبدأ رحلته في استعادة الفردوس، ومن ثم الخلود. ويقول الرسول بطرس تعبيراً عن خلاص خلود الإنسان الممتد من السيد المسيح: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذى حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي، بقيامة يسوع المسيح من الأموات، لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ فى السماوات لأجلكم" (بطرس 4-3:1)، كما يعلن الرسول بولس: "مخلصنا يسوع المسيح الذى أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل" (10.1). وفى الإسلام، الروح والجسد نقيضان متلازمان، ينفصلان ليتحدا، لتتصالح الثنائية فى أسمى صورها: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى?" (طه 55). وفى الهندوسية، تذوب "اتمان" Atman - الذات الفردية - فى "براهما" Brahman - ماهية العالم وأصل كل الموجودات - لتعلن "ايتمان": "أنا هو براهما" I am Brahman لتتحقق وحدة الخلود. وفى البوذية تتحقق النرفانا Nirvana - توقف الغرائز فى طوباوية الخلود - عندما يصل الإنسان إلى الكمال بعد سلسلة متصلة من الموت والولادة ليصبح زاهداً، ناسكاً. واتخذت الزرداشتية ثنائية الخير والشر فى وجود قوة أعظم من الإنسان هي سبب الخلق، وهي قوة الخير (الإله اهورا مزدا Ahura Mazda) تقابلها قوة الشر (الإله اهريمن Ahriman). والإنسان يحاسب هنا في العالم الآخر؛ فيعاقب الأشرار بالفناء، ويثاب الأخيار بالخلود.

د. أسامة مدني يكتب.. "في الخلود فناء، وفي الفناء خلود"

ثنائية الخلود/الفناء Mortality/Immortality متأصلة فى التراث الإنسانى والأدبى. يؤكد فرويد على غريزة البقاء بداخلنا ورفضنا للموت كنهاية حتمية: "الجميع سيموت إلا أنا". فالوجود أنا وأنا الوجود عند

د.أسامة مدنى يكتب.. الشرور الهائمة

أين تشكّلت هذه الهوّة السّحيقة؟ هذا اليم الدّفين الحالك السّواد؟ من أين أتت أمواج الشرور الكامنة، المتربصة، الهالكة المُهلكة؟ كيف استجمعت قواها الهادرة في النفس الضعيفة الفانية؟