تكشف مراجعة استراتيجيات حوكمة إعادة التأمين في أفريقيا عن مشهد مركّب تتداخل فيه العوامل التنظيمية والمؤسسية والتقنية لتشكّل مسارات اتخاذ القرار داخل شركات التأمين بالقارة.
ورغم امتلاك الأسواق المتقدمة نماذج ناضجة، إلى حد كبير، من الشفافية والانضباط الرقابي والممارسات القائمة على البيانات، فإن الأسواق الأفريقية، بوصفها ناشئة، تعبّر عن واقع أكثر تشتتًا وتفاوتًا، إذ تتقدم بعض الدول بخطوات جادّة نحو بناء منظومة حوكمة قوية، بينما ما تزال أسواق أخرى تواجه تحديات هيكلية تحدّ من قدرتها على ممارسة الإشراف الفعّال على برامج إعادة التأمين.
ذلك المشهد العام، يثير سؤالًا جوهريًا حول كيفية تطور حوكمة إعادة التأمين في أفريقيا، وما إذا كانت تتحرك باتجاه نموذج أكثر نضجًا قادر على دعم الاستقرار المالي وتخفيف المخاطر النظامية.
ويبدو واضحًا أن إعادة التأمين لم تعد تُعامل كأداة تقنية أو وظيفة تنفيذية، بل تزداد أهميتها كرافعة إستراتيجية تتطلب إشرافًا مباشرًا من مجالس إدارة الشركات، وتموضعًا واضحًا داخل بنية الإدارة المتكاملة للمخاطر، مع مراعاة التحولات المتسارعة، مثل الرقمنة واعتبارات الاستدامة ومعايير (ESG).
ويتأسس الاختلاف الجوهري بين نماذج الحوكمة في الأسواق المتقدمة مقابل الأسواق الناشئة على قاعدة أساسية؛ هي قوة الإطار التنظيمي والقدرات المؤسسية والإستراتيجيات القائمة على البيانات.
ففي الأسواق المتقدمة، كما يُظهر المثال البارز لسوق لويدز لندن، تُدار هياكل إعادة التأمين ضمن إطار إلزامي من الإفصاحات السنوية واختبارات الإجهاد واعتماد مجلس الإدارة للهياكل المقترحة، ما يعزز الشفافية ويربط خيارات إعادة التأمين بأهداف الملاءة والاستقرار المالي.
ويعكس ذلك النموذج قدرة المؤسسات على تطبيق ممارسات حوكمة ناضجة تعزّز الثقة لدى المستثمرين وتضمن انضباط السوق.
أما في الأسواق الناشئة، تتعقد مسألة الحوكمة نتيجة عوامل عديدة، مثل محدودية الخبرة الاكتوارية وضعف آليات الإنفاذ وعدم وجود تراكم تاريخي من المعرفة التأمينية لدى مجالس الإدارة، فضلًا عن القيود التي تحدّ الوصول إلى معيدي التأمين العالميين.
وتفضي تلك العوامل إلى ممارسات حوكمة مجزأة، إذ تُتّخذ قرارات إستراتيجية كبرى دون إطار سياسات رسمية أو إشراف مباشر من مجالس الإدارة بالشركات.
ومع ذلك، تُظهر أسواق أفريقية قادرة على التجديد، مثل نيجيريا ورواندا، حيث يعمل المنظمون بالتعاون مع شركات إعادة التأمين على تطوير منتجات مبتكرة كالسياسات البارامترية، وذلك النوع من المنتجات يتطلب حوكمة مصممة خصيصًا، قادرة على التكيف مع طبيعة المخاطر المتغيرة واحتياجات السوق المتطورة.
ويكشف الواقع أن فعالية حوكمة إعادة التأمين ترتفع عندما تستند إلى بيئة تنظيمية قوية وبرامج لبناء قدرات المديرين ومنصات للتعاون وتبادل المعرفة.
وتمثل المبادرات الإقليمية التي تقودها منظمات مثل المنظمة الأفريقية للتأمين والأطر المؤسسية الأفريقية كأدوات محورية لتعزيز التناسق الرقابي وتطوير معايير موحدة للحوكمة.
فجوات قطاع إعادة التأمين
وفقًا لتقرير "أطلس لإعادة التأمين – أفريقيا 2026"، ارتفع حجم أقساط إعادة التأمين المكتتبة بنسبة 8.8% مقارنة بـ2023، وعلى مدى السنوات الـ10 الماضية نما نشاط إعادة التأمين الأفريقي بنسبة 89%، أي أعلى بـ33 نقطة من نمو سوق التأمين المباشر.
ومع ذلك، فإن أقساط إعادة التأمين الأفريقية البالغة 6.269 مليار دولار لم تمثل سوى 1.6% من إجمالي مساهمات إعادة التأمين عالميًا خلال 2024.
وتظل جنوب أفريقيا أكبر سوق لإعادة التأمين في القارة، مساهمةً بنحو 34% من إجمالي الأقساط المكتتبة.
رغم اتساع مساهمات دراسات إعادة التأمين، فإن الجزء الأكبر منها يركز على الجوانب التقنية، مثل التسعير ونماذج رأس المال واحتياطيات المطالبات، وتبقى الدراسات التي تبحث في الجوانب الإستراتيجية والحوكمة قليلة، رغم أن القرارات المتعلقة بهياكل الاتفاقيات واختيار الأطراف المقابلة ومواءمة إعادة التأمين مع الأهداف التنظيمية تُعد أساسية في تكوين برامج إعادة التأمين، وتزداد أهمية ذلك القصور البحثي في الأسواق الناشئة ذات الأطر المؤسسية الضعيفة.
وتؤكد الدراسات أن التعقيد المتزايد في ترتيبات إعادة التأمين، سواء عبر الطبقات المتعددة أو آليات نقل المخاطر البديلة أو التنازلات عبر الحدود، يجعل دور مجلس الإدارة أكثر مركزية، ومع ذلك، فإن الدراسات التي تبحث في كيفية تقييم المجالس لمقترحات إعادة التأمين أو كيفية دمجها ضمن الإدارة المتكاملة للمخاطر (ERM) أو الاستدامة (ESG) لا تزال مجزأة.
ويتضح كذلك أن تأثير التركيبة المعرفية لمجالس الإدارة، بما في ذلك المهارات الإكتوارية والخبرة الفنية، لم يأخذ حقه من البحث التجريبي، كما أن البعد السلوكي، أي كيفية عمل مجالس الإدارة أثناء اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بإعادة التأمين، ما يزال غير مستكشف على نحو كافٍ.
ومع انتشار الاكتتاب الآني والتسعير الخوارزمي والنمذجة التنبؤية، أصبح اتخاذ قرار إعادة التأمين أكثر حساسية للوقت وأكثر اعتمادًا على تدفقات البيانات، ويثير ذلك تساؤلات حول مدى امتلاك مجالس إدارة الشركات المهارات اللازمة لتقييم النماذج المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وكيفية تعاملها مع قضايا مثل الغموض والتحيز الخوارزمي.
وترى فيونا تانغ، خبيرة إكتوارية بقسم إعادة التأمين الآسيوي بفرع شركة سويس ري لإعادة التأمين في هونغ كونغ، أن مفهوم البيئة والمسئولية الاجتماعية والحوكمة (ESG) يشكّل إطارًا واسعًا لإدارة المخاطر، يتجاوز القراءة التقليدية للأرقام والمؤشرات المالية، إذ أصبحت معايير المناخ وحقوق العاملين وممارسات الشركات جزءًا من تقييم أداء المؤسسات واستدامتها.
وأضافت "تانغ" في ردها على أسئلة "عالم المال"، أن إطار الحوكمة يفرض على الشركات النظر في عناصر مستويات الانبعاثات وسياسات الاستثمار وهيكل الحوكمة وأخلاقيات الأعمال ودرجة التنوع داخل المنظمة.
واستشهدت بتنظيمات الاتحاد الأوروبي الخاصة بالإفصاحات المستدامة، كدليل على أن تلك المعايير لم تعد خيارًا إضافيًا، بل تحوّلت إلى جزء أصيل من تقييم "الاستثمار المستدام".
وأوضحت أن صناعة إعادة التأمين تمتلك خبرة طويلة في تقييم المخاطر المعقدة، ما يجعلها في موقع يسمح لها بدعم القطاعات الاقتصادية الأخرى في التعامل مع التحديات البيئية والاجتماعية.
وأشارت إلى أنّ عددًا من شركات القطاع تبنّت هياكل واضحة للحوكمة وتنوع القوى العاملة بهدف تعزيز بيئة عمل أكثر شمولًا، كمنتجات دعم التحول الأخضر، مثل تأمين مشروعات الطاقة المتجددة ومنح خصومات على التأمين للمركبات الكهربائية والهجينة وتطوير حلول تأمينية مبنية على المؤشرات البارامترية لتسريع التعويضات.
وذكرت أن على الخبراء الإكتواريين اكتساب فهم عميق لكيفية تأثير قضايا المناخ والحوكمة والمسئولية الاجتماعية على الأداء المالي للشركات، مشيرة إلى أن التطور التشريعي السريع يتطلب قدرة على إعداد سيناريوهات مناخية متقدمة وتعديل النماذج الإكتوارية لتضمين أثر المخاطر البيئية والاجتماعية.

كيف تتعامل مجالس الإدارة مع إعادة التأمين في أفريقيا؟
يكشف الواقع العملي أن إعادة التأمين تُدرَك بشكل متزايد كأداة إستراتيجية وليس مجرد وظيفة تقنية، ففي بعض الأسواق كجنوب أفريقيا وكينيا، تشير التقارير إلى أن المجالس تتدخل في توجيه قرارات إعادة التأمين لدعم التوسع في الأعمال وتخفيف المخاطر المناخية والتعامل مع تقلبات العملة، بينما في أسواق أخرى، ما يزال ينظر إلى إعادة التأمين كمتطلب امتثال أو وسيلة لإدارة السيولة قصيرة الأجل.
وهكذا يتباين مستوى إشراف مجالس الإدارة حسب قوة البيئة التنظيمية، فحيث توجد أطر قائمة على المخاطر (مثل جنوب أفريقيا والمغرب وكينيا) تتسم حوكمة إعادة التأمين بدرجة أكبر من الرسمية والمراجعة المستمرة مع التزام المجالس بتقديم مبررات واضحة لبرامج إعادة التأمين، أما في البيئات الأقل تنظيمًا، فيغلب الاعتماد على الوسطاء والمستشارين، ما يحدّ قدرة مجالس الإدارة على اتخاذ قرارات نقدية مستنيرة.
كما أن هناك فجوة ملحوظة في محو الأمية التأمينية على مستوى مجالس الإدارة، ففي كثير من الأحيان، يفتقر الأعضاء إلى المعرفة الفنية الضرورية لفهم تفاصيل التنازل وإعادة التنازل ونماذج رأس المال، ما يؤدي إلى اعتماد مفرط على الخبراء الفنيين، وفي المقابل، تُظهر المجالس التي تضم خبرات إكتوارية مشاركة أكثر عمقًا في تقييم شروط الاتفاقيات وكفاية التسعير.
وقد برزت المخاطر المناخية والتهديدات السيبرانية والأوبئة كعوامل غيّرت بنية إدارة المخاطر في القارة، وتعتمد بعض الأسواق المتقدمة نسبيًا، مثل جنوب أفريقيا، نماذج إعادة تأمين بارامترية تتطلب معرفة دقيقة بهياكل الدفع ومخاطر الأساس، وتلك المعرفة غير متوفرة على نطاق واسع خارج الدول الأكثر تطورًا.
كما أن تبني معايير ESG (البيئة والمجتمع والحوكمة) في إعادة التأمين ما يزال محدودًا في أفريقيا، رغم اتساع أهميته عالميًا، ويشير الواقع العملي إلى أن ضعف معرفة مجالس الشركات بذلك النوع من المنتجات وعدم وضوح الحوافز الرقابية، يقفان وراء تباطؤ تطبيقها.
قال هاري لي، رئيس عقود الاكتتاب لمنطقة آسيا والمحيط الهادي بشركة سويس ري لإعادة التأمين، إن عددًا من الأسواق، خصوصًا الأوروبية، حوّلت معايير "ESG" من "توصيات طوعية" إلى "التزامات"، ما يدفع الصناعة إلى التفكير بعيد المدى وإعادة النظر في أنظمتها وعملياتها.
وأضاف في إجابته عن أسئلة "عالم المال" أن إدماج عوامل "ESG" في عملية تقييم المخاطر والاكتتاب أصبح ضرورة للتحكم في الخسائر الناتجة عن ارتفاع المخاطر المناخية، مشيرًا إلى أن أبحاث "AM Best" تُظهر أن الضغط الاستثماري أصبح محركًا رئيسًا لتسريع التزام الشركات بتلك المعايير، في ظل رقابة تنظيمية أكثر تشددًا.
كما يرى أن تعزيز التنوع والعدالة والشمول (DEI) داخل المؤسسات يعزز جودة القرارات التشغيلية ويدعم تحقيق نتائج أفضل للعملاء واستدامة الشركات، وأضاف أن تطبيق إستراتيجية "ESG" متماسكة يمكنها تعظيم أثر الصناعة داخل الشركات وعبر سلاسل القيمة والمجتمع والاقتصاد الحقيقي.
وذكر أن أن التحدي الأكبر يتمثل في المخاطر المباشرة وغير المباشرة للتغير المناخي، سواء عبر الكوارث الطبيعية أو القضايا القانونية المرتبطة بالبيئة، معتبرًا أن المخاطر تتطور بوتيرة سريعة وقد تضاعف التعرضات التقليدية أو تخلق تعرضات جديدة.
وبيّن أن التطور السريع للبيئة المحيطة بالمخاطر يتطلب من الخبراء والمهنيين العمل تكامليًا وتحديث معرفتهم باستمرار، لكنه ذكر أن المعرفة وحدها لا تكفي، فالقدرة على تحويل المعرفة إلى حلول قابلة للتطبيق ونقلها لأصحاب المصلحة، هي ما يصنع "القيادة الفنية" الحقيقية داخل الصناعة.

مسارات التطوير الضرورية
توضح الأدلة أن الحوكمة الفعالة لإعادة التأمين في أفريقيا تعتمد على 3 عوامل مركزية، هي قوة الأطر التنظيمية وتوافر الخبرات الفنية وآليات إشراف داخلية متطورة.
فالمجالس التي تتعامل مع إعادة التأمين كأداة إستراتيجية، ضمن إطار أوسع لإدارة المخاطر، تكون أكثر قدرة على مواجهة المخاطر المعقدة وتعزيز مرونة رأس المال.
وتبرز إعادة التأمين الإقليمية كعامل مؤثر في ممارسات الحوكمة، ليس فقط كمقدمي قدرة فنية، بل كمحفّزات لتنسيق الممارسات عبر الدول وتشجيع المجالس على بناء رؤى أكثر اتساعًا حول مخاطر السوق.
ولا بد من تحقيق 3 أولويات؛ رفع محو الأمية التأمينية لدى أعضاء مجالس الإدارة وتعزيز متطلبات الإفصاح والمساءلة ودمج التحول الرقمي واعتبارات "ESG" في مسارات اتخاذ القرار.
فالحوكمة الإستراتيجية لإعادة التأمين ليست مسألة تنظيمية فحسب، بل حجر أساس في بناء أسواق تأمينية قادرة على الصمود والاستدامة في أفريقيا.