الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
ربوت ربوت

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قطاع التأمين مصريًا وعالميًا؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين ترفًا تقنيًا أو مشروعًا تجريبيًا محدود الأثر، بل تحوّل خلال عامي 2025 و2026 إلى محرك إعادة تصميم كامل لنموذج العمل التأميني. 

هذا التحول لم تأتِ به شركة واحدة أو مدرسة فكرية منفردة، بل تقاطعت حوله تقارير صادرة عن كبرى بيوت الاستشارات العالمية وشركات تحليل البيانات والتكنولوجيا، من بينها McKinsey & Company، وBostonConsulting Group (BCG)، وDeloitte، وSAS، وDatabricks، وغيرها.

نهاية عصر “التجارب المحدودة”

بحسب تقرير صادر عن شركة ماكينزي آند كومباني، المتخصصة في الاستشارات الإدارية والإستراتيجية، فإن شركات التأمين التي ما زالت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه “أداة إضافية” تخاطر بفقدان موقعها التنافسي. 

التقرير، يذكر أن الفارق الحقيقي ظهر بين شركات أعادت هيكلة أعمالها بالكامل لتصبح “ذكية بالفطرة”، وأخرى اكتفت بتجارب جزئية داخل أقسام معزولة.

وكشفت تحليلات "ماكينزي" أن الشركات الرائدة في تبني الذكاء الاصطناعي حققت عوائد إجمالية للمساهمين تزيد بنحو 6.1 مرة مقارنة بالشركات المتأخرة خلال 5 سنوات فقط، في إشارة إلى أن المسألة لم تعد تقنية بحتة، بل مرتبطة مباشرة بالقيمة السوقية والربحية.

هذا التحول الهيكلي فرضته أيضًا تغيرات جذرية في سلوك العملاء. تقارير "ماكينزي" و"Future Processing"، وهي شركة أوروبية متخصصة في هندسة البرمجيات والتحول الرقمي، تتفق على أن العميل بات يقارن تجربة التأمين بتجربته في التجارة الإلكترونية، من حيث السرعة والدقة والتخصيص.

لم تعد العروض العامة مقبولة، بل أصبحت الشركات مطالبة بتقديم تأمين مُفصَّل على قياس السلوك الفعلي للعميل، سواء في التسعير أو التغطية أو طريقة التواصل. 

هذا ما يفسر الصعود السريع لمفهوم “التخصيص الفائق” (Hyper-personalization)، الذي تعتمد فيه الشركات على تحليل بيانات سلوكية ولحظية بدل الجداول الثابتة.

من الشات بوت إلى “الوكيل الرقمي”

نقطة التحول الأهم التي أجمعت عليها تقارير “McKinsey” و"SAS" و"Databricks" هي الانتقال من الذكاء الاصطناعي التوليدي التقليدي إلى ما يُعرف بـ الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI). وهو نمط جديد لا يكتفي بإعطاء توصيات، بل ينفذ المهام من البداية للنهاية.

أشارت "ماكينزي" إلى أن شركات التأمين الرائدة بدأت في استخدام “أنظمة متعددة الوكلاء”، حيث يقوم وكيل بتحليل الوثائق، وآخر ببناء ملف المخاطر، وثالث بمراجعة الامتثال القانوني، في عملية شبه ذاتية تقلل التدخل البشري دون إلغائه.

وذكرت شركة "SAS"، المتخصصة في تحليلات البيانات ومكافحة الجريمة المالية، أن هذا التحول يمثل قفزة نوعية في كشف الاحتيال، حيث تحسنت معدلات الاكتشاف بنسب تراوحت بين 20% و40%، مع خفض مباشر في الخسائر المالية.

الأرقام تتحدث.. كفاءة أعلى وتكلفة أقل

عند جمع نتائج التقارير المختلفة، تظهر صورة شبه موحدة للعائد الاقتصادي. فوفقًا لتحليلات "BCG"، وهي من أكبر بيوت الاستشارات الإستراتيجية عالميًا، أدى دمج الذكاء الاصطناعي في الاكتتاب والمطالبات إلى تحسن كفاءة الاكتتاب في بعض الخطوط التجارية بنسبة تصل إلى 36%، وخفض تكاليف معالجة المطالبات المعقدة بنحو 20%، مع تسريع التسوية في المطالبات البسيطة لتتم في الوقت الفعلي تقريبًا.

وفي السياق ذاته، تشير دراسات "Databricks"، المتخصصة في بنى البيانات والتحليلات الضخمة، إلى أن الانتقال إلى معالجة البيانات اللحظية خفّض التكاليف التشغيلية الإجمالية لشركات التأمين بنحو 15%، وفتح الباب أمام منتجات لم تكن مربحة سابقًا، مثل التأمين القائم على الاستخدام.

الاحتيال.. المعركة الكبرى

إذا كان هناك محور واحد تكرر في جميع التقارير دون استثناء، فهو الاحتيال التأميني. تقرير "Deloitte"، الصادر بالتعاون مع "SortSpoke"، يصف الاحتيال بأنه “فرصة إنقاذ مالي”، مشيرًا إلى أن شركات التأمين على الممتلكات يمكنها توفير ما يصل إلى 160 مليار دولار عالميًا بحلول 2032 عبر التحليلات اللحظية.

وتضيف "SAS" بعدًا جديدًا باستخدام “البيانات الاصطناعية”، وهي بيانات يتم توليدها آليًا لتدريب النماذج دون انتهاك خصوصية العملاء، ما يسمح بكشف أدق للأنماط الاحتيالية مع الالتزام باللوائح الصارمة مثل GDPR.

ورغم هذا الزخم، تحذر غالبية التقارير من خطأ شائع.. المبالغة في التركيز على الخوارزميات.

تقرير "BCG" يطرح معادلة لافتة تُعرف بقاعدة (10/20/70)، حيث تمثل الخوارزميات 10% فقط من مجهود التحول، مقابل 70% مخصصة للبشر والعمليات.

وهذا التحذير يتقاطع مع تقرير "Deloitte" الذي كشف أن 90% من التنفيذيين يدركون ضرورة إعادة تأهيل الموظفين للعمل جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي، بينما 25% فقط اتخذوا خطوات فعلية، ما يخلق فجوة تهدد الاستفادة من الاستثمارات التقنية.

2026.. عام الحسم

تقرير "Roots Automation"، المتخصصة في أتمتة العمليات التأمينية، يصف عام 2026 بأنه عام الانتقال من الفضول إلى الاعتماد الكلي. الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تجريبيًا، بل أصبح “نظام التشغيل” الفعلي لشركات التأمين، مع توقعات بنمو الإنفاق عليه بأكثر من 25% هذا العام.

وفي ختام الصورة، تذكر تقارير "WNS" و"ITL" أن الشركات التي ستقود السوق هي تلك القادرة على الجمع بين بيانات نظيفة، ونماذج شفافة قابلة للتفسير، ووكلاء رقميين ينفذون العمل فعليًا، دون التفريط في الدور الإنساني عند لحظات الأزمات.