لم تعد الطاقة المتجددة في مصر مشروعًا تجريبيًا أو مجرد شعار بيئي، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى ركيزة إستراتيجية لأمن الطاقة ودعم الاقتصاد والوفاء بالالتزامات المناخية.
فمع تسارع الطلب على الكهرباء، وارتفاع كلفة الوقود التقليدي، وتنامي الضغوط المرتبطة بتغير المناخ، باتت الشمس والرياح في صدارة خيارات الدولة.
وتستهدف مصر، وفق خططها الرسمية، رفع مساهمة الكهرباء المولدة من مصادر متجددة إلى 42% بحلول عام 2035.
غير أن هذا الطموح الكبير يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: إلى أي مدى نجحت الدولة في تحويل القدرات المركبة إلى كهرباء فعلية على الشبكة؟ وما الذي يعرقل وتيرة التوسع المطلوبة خلال المرحلة المقبلة؟
أين تقف مصر اليوم من الطاقة المتجددة؟
تشير البيانات الرسمية إلى أن مشروعات الطاقة المتجددة تمثل حاليًا نحو 20–22% من إجمالي القدرة المركبة لإنتاج الكهرباء في مصر، لكنها لا تسهم سوى بنحو 11–13% من التوليد الفعلي.
ويعكس هذا الفارق عدة عوامل، أبرزها الطبيعة المتقطعة لمصادر الشمس والرياح، إلى جانب القيود الفنية لشبكة نقل الكهرباء، التي تحد من القدرة على إخلاء كامل الطاقة المنتَجة، خصوصًا في المناطق الأعلى ثراءً بالموارد مثل خليج السويس وجنوب الصعيد.
ورغم ذلك، تظل مصر واحدة من أسرع أسواق الطاقة المتجددة نموًا في القارة الإفريقية، مدفوعة بمشروعات كبرى على رأسها مجمع بنبان الشمسي، والتوسعات المتتالية في مشروعات طاقة الرياح على ساحل البحر الأحمر.
ثروة طبيعية تدعم التحول الأخضر
تمتلك مصر مقومات طبيعية استثنائية تؤهلها للريادة في الطاقة النظيفة، إذ تسجل معدلات إشعاع شمسي من بين الأعلى عالميًا، تتراوح بين 2000 و3200 كيلووات/ساعة لكل متر مربع سنويًا، إلى جانب سرعات رياح تتجاوز 10 أمتار/ثانية في مناطق خليج السويس والبحر الأحمر.
كما توفر المساحات الشاسعة في الصحراء الغربية والشرقية فرصًا واسعة لإقامة مشروعات ضخمة، لا تقتصر على إنتاج الكهرباء فقط، بل تمتد إلى الهيدروجين الأخضر والوقود النظيف الموجه للتصدير، ما يعزز موقع مصر في سلاسل الطاقة العالمية الجديدة.
اختناقات الشبكة.. العقبة الأكبر
على الرغم من التقدم المحقق، تواجه الطاقة المتجددة في مصر عنق زجاجة حقيقي يتمثل في محدودية قدرات شبكة نقل الكهرباء وطول وتعقيد إجراءات التصاريح ومشاركة محدودة للقطاع الخاص في استثمارات الشبكة، وقد أسهمت هذه العوامل في تباطؤ إضافة قدرات جديدة خلال السنوات الأخيرة، رغم توافر الموارد الطبيعية والتمويل الاستثماري.
وتُعد الطاقة المتجددة حجر الزاوية في الإستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، والمساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) وخفض فاتورة الوقود وتقليل الضغط على الموازنة العامة وجذب الاستثمارات الخضراء وتوطين الصناعات النظيفة.
كما تراهن مصر على التحول إلى مركز إقليمي للهيدروجين الأخضر، مع استهداف خفض تكلفة إنتاجه إلى نحو 1.7 دولار للكيلوجرام بحلول 2050، مدعومًا بإطار تشريعي جديد صدر عام 2024.
فرص اقتصادية ضخمة.. إذا اكتمل التحول
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة قد يولد نحو مليوني فرصة عمل صافية بحلول 2050، فضلًا عن تحسين الصحة العامة وخفض مستويات تلوث الهواء.
غير أن تحقيق هذه المكاسب يظل مرهونًا بتسريع الإصلاحات المؤسسية، وتحديث شبكة النقل، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين.
تمتلك مصر جميع مقومات النجاح في ملف الطاقة المتجددة، من موارد طبيعية استثنائية، وخبرة تنفيذية متراكمة، وطموحًا سياسيًا واضحًا، إلا أن الفجوة بين القدرة المركبة والتوليد الفعلي تؤكد أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة إضافة مشروعات فقط، بل مرحلة شبكات وإصلاحات مؤسسية.
فالسؤال لم يعد: هل تستطيع مصر التحول إلى الطاقة النظيفة؟ بل: هل تنجح في إزالة الاختناقات بالسرعة التي يفرضها الزمن المناخي والاقتصادي؟