في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط وما تفرضه من حالة عدم يقين على الأسواق العالمية، تتزايد التساؤلات حول قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع التداعيات المحتملة لهذه التطورات، خاصة مع تأثر العديد من الموارد الدولارية التقليدية مثل السياحة وإيرادات قناة السويس والاستثمارات الأجنبية.
ويرى مصرفيون أن الاقتصاد المصري يمتلك قدرًا من المرونة والأدوات المالية التي تمكنه من امتصاص الصدمات قصيرة الأجل، مستندين إلى قوة الاحتياطي النقدي، وتحسن صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي، إلى جانب مرونة سعر الصرف التي باتت تمثل أحد أهم آليات التكيف مع التقلبات العالمية.
وفي الوقت الذي يحذر فيه الخبراء من انعكاسات محتملة للحرب على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة والتدفقات الاستثمارية، فإنهم يؤكدون في المقابل أن التأثيرات الحقيقية ستظل مرهونة بمدى استمرار الصراع واتساع نطاقه، مشددين على أن الاقتصاد المصري لا يواجه أزمة هيكلية في النقد الأجنبي، وأن لدى الدولة من الأدوات والاحتياطيات ما يمكنها من إدارة المرحلة الراهنة وتقليل آثارها على الأسواق المحلية.
عز الدين حسانين: الاقتصاد المصري يمتلك مصدات قوية لمواجهة التداعيات الحرب.. والاحتياطي الأجنبي صمام أمان
أكد الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، أن الاقتصاد المصري يواجه تحديات متكررة ناتجة عن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، مشيراً إلى أن الأزمة الراهنة هي امتداد للضغوط التي بدأت منذ أكتوبر 2023، وموضحاً في الوقت ذاته أن الدولة تمتلك احتياطيات ومؤشرات مالية قادرة على امتصاص الصدمات.
وحول تأثير التوترات القائمة على الموارد الدولارية، قال "الحرب الحالية تؤثر بشكل مباشر على الموارد الرئيسية للنقد الأجنبي، وفي مقدمتها إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة، بالإضافة إلى تباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتوقف دخول الأموال الساخنة، كما أن هناك مخاطر تحيط بحركة التجارة الخارجية، خاصة الصادرات المصرية للدول العربية، نتيجة إغلاق المجال الجوي في بعض الدول وارتفاع مخاطر الشحن البري والبحري.

وبشأن توقعات سعر الصرف وتحركات الدولار، لفت حسانين إلى أن ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات الـ 50 جنيهاً حالياً هو رد فعل طبيعي للتوترات، وقد يصل إلى 55 جنيهاً في حال استمرار الأزمة وتزايد وتيرة خروج الأموال الساخنة، لكنه يظل ارتفاعاً مؤقتاً وليس ناتجاً عن أزمة هيكلية، مؤكدا أن مصر لا تعاني من 'أزمة دولار' بالمعنى السابق؛ فالاقتصاد لديه احتياطي نقدي يتجاوز 52 مليار دولار، وصافي أصول أجنبية في القطاع المصرفي يتخطى 20 مليار دولار، وهو ما يكفي لتغطية أي نقص مؤقت في العوائد.
وبسؤاله عن موقف السلع وأسعار المستهلك، شدد على أنه لا داعي للقلق بشأن السلع الأساسية؛ فالدولة لديها مخزونات آمنة من القمح والذرة والزيت والسكر والأرز تكفي لفترات تتراوح بين 6 إلى 12 شهراً، و "أي زيادة حالية في أسعار السلع هي ناتجة عن 'جشع التجار' الذين يرفعون الأسعار استباقياً بمجرد تحرك سعر الدولار، دون وجود مبرر حقيقي في تكلفة الاستيراد حالياً.
وأضاف الخبير المصرفي، أن ارتفاع أسعار البترول عالمياً ليتجاوز 100 دولار للبرميل سيزيد حتماً من فاتورة الاستيراد المصرية، لكننا في وضع آمن من حيث الإمدادات بفضل خط (سوميد) ومحطات تغويز الغاز المسال، فضلا عن التعاون مع الجانب السعودي في خط (سوميد) وموقع مصر الجغرافي على البحر المتوسط بعيداً عن مضيق هرمز، يضمن استمرار تدفقات الطاقة حتى في أشد الظروف".
وتوقع حسانين إذا طال أمد الحرب وتأثرت دول الخليج عسكرياً، فقد نشهد تراجعاً في تحويلات المصريين بالخارج، بل واحتمالية عودة أعداد منهم في حال تضرر القطاعات النفطية أو الصناعية هناك.
وحول رؤيته المستقبلية، شدد حسانين على أن التأثيرات السلبية الحقيقية ستظهر بشكل أوضح إذا استمرت الحرب لأكثر من شهرين، ومع ذلك، يمكن للدولة السيطرة على التضخم من خلال زيادة المعروض من السلع عبر المنافذ الحكومية لكسر حدة المضاربات، مؤكدا أن الدائنون الدوليون قد يتفهمون وضع مصر في ظل هذه الأزمات الإقليمية، مما يفتح الباب لإعادة جدولة بعض الأقساط أو تأجيل الالتزامات الخارجية إذا لزم الأمر.
أحمد شوقي: مرونة سعر الصرف "حائط صد" ضد الأزمات العالمية.. ويجب الانتظار أسابيع لتقييم مدى استمرار الحرب
بدوره أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، أن الاقتصاد المصري يمتلك أدوات قوية لامتصاص الصدمات الناتجة عن التوترات الجيوسياسية الراهنة، مشيراً إلى أن التحرك الحالي في سعر الصرف يقع ضمن النطاقات المقبولة والآمنة.
وأضاف أنه من الطبيعي جداً خروج الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة في أوقات الاضطرابات العالمية، ولكن الفارق يكمن في كيفية التعامل معها؛ مصر تمتلك اليوم 'حائط صد' يتمثل في مرونة سعر العملة، والتي تعتبر 'وسادة' لامتصاص تداعيات دخول وخروج الاستثمارات الأجنبية.

وذكر أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه في أوقات معينة يمثل رسالة للمستثمرين الراغبين في الخروج بأنهم قد يتعرضون لخسائر، مما يحد من وتيرة التخارج السريع، كما أن سعر الصرف الحالي يتحرك صعوداً وهبوطاً في حدود 5-6%، وهي نسبة مقبولة تماماً وتخضع لآليات العرض والطلب، مما يمنع حدوث أزمات مفاجئة.
ولفت إلى أن الاحتياطي النقدي المصري في وضع آمن ومتزايد، حيث نقترب من تسجيل 53 مليار دولار، والأهم من ذلك أن 'الأموال الساخنة' لم تعد مرتبطة بالاحتياطي كما كان في السابق، وهو ما يعزز استقرارنا المالي.
وأشار إلى أن أي حرب تؤثر على المنطقة بالكامل، ومصر ليست بمنأى عن ذلك؛ التأثير الأكبر يظهر بوضوح في قناة السويس نتيجة تأثر حركة السفن، يليها قطاع السياحة الذي قد يتأثر بنسب متفاوتة ولكنها أقل حدة من تأثر القناة، وفيما يتعلق بالدين الخارجي، أكد شوقي أنه لا يتوقع زيادات ناتجة عن هذه الأزمة، والزيادة الأخيرة في قيمة الشريحة (2.3 مليار دولار) كانت مقررة مسبقاً ضمن البرنامج المتفق عليه.
وشدد الخبير المصرفي على أنه على الرغم من التوقعات بارتفاع أسعار النفط عالمياً، إلا أن مصر مؤمنة بفضل 'عقود التحوط' التي أبرمتها الدولة، بالإضافة إلى أن الموازنة العامة موضوعة على أساس سعر 80 دولاراً للبرميل، مما يوفر مساحة من الأمان المالي.
وفي الوقت ذاته، بعث شوقي برسالة طمأنة قائلا "لا داعي للقلق أو بث حالة من البلبلة؛ المؤشرات الحالية قوية، وطالما لم يتجاوز سعر الصرف حاجز الـ 51 أو 52 جنيهاً، فنحن في المنطقة الآمنة، خاصة وأننا مررنا بمستويات مماثلة سابقاً وتجاوزناها".
وأردف أنه على الحكومة الفترة الحالية الاستمرار في تأمين السلع الأساسية والاستراتيجية للمدى القصير والمتوسط، وهو ما يضمنه الاحتياطي النقدي القوي المتوفر لدينا، ويجب علينا الانتظار لأسابيع قليلة لتقييم مدى استمرار هذه الحرب، لكن حتى اللحظة، الاقتصاد المصري يمتلك القدرة على المواجهة.