في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة تتجه أنظار القوى الكبرى إلى القارة الأفريقية باعتبارها أحد أهم مراكز الثقل المستقبلية عالميًا وهو ما انعكس بوضوح في انعقاد القمة الفرنسية الأفريقية في العاصمة الكينية نيروبي وسط مشاركة واسعة من القادة الأفارقة ورجال الأعمال والمستثمرين.
وفي ضوء ما سبق قال الدكتور يسري الشرقاوي رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة في تصريحات له:إن التنافس الدولي على أفريقيا ليس وليد اللحظة بل يمتد منذ أكثر من 200 عام موضحًا أن أدوات السيطرة تغيرت من الاستعمار المباشر إلى ما وصفه"بالاستحواذ الاقتصادي" عبر الاستثمار والنفوذ التجاري والتكنولوجي.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت دخول قوى دولية إلى المشهد الأفريقي من بينها الصين وروسيا والهند وألمانيا بالإضافة إلى القوى التقليدية مثل فرنسا وبريطانيا مؤكدًا أن القارة أصبحت تمتلك مفاتيح حل العديد من الازمات العالمية سواء امتلاكها كتلة شبابية ضخمة.
وأشار الشرقاوي إلى أن أفريقيا لم تعد تقبل بالمعادلة القديمة القائمة على تصديرالمواد الخام ثم إعادة استيرادها في صورة منتجات نهائية مرتفعة القيمة مؤكدًا أن الأجيال الأفريقية الجديدة التي يتراوح عمرها بين 25 و30 عامًا وتتحدث أكثر من ثلاث لغات أصبحت أكثر وعيًا بحقوقها الاقتصادية وقدرتها على فرض شراكات استثمارية عادلة قائمة على نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي.
وفيما يتعلق بالقمة الفرنسية الأفريقية أوضح أن فرنسا تحاول إعادة تموضعها داخل القارة عبر التوجه نحو شرق أفريقيا بعد تراجع نفوذها في بعض دول الغرب الأفريقي لافتًا إلى أن القاهرة تمثل بوابة رئيسية لهذا التحرك الفرنسي في ظل العلاقات المتنامية بين مصر وفرنسا خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زار مصر مرتين خلال أقل من عام من بينهما مشاركته في افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور بالإسكندرية والتي تُعد من أبرز الجاماعت الفرنكوفونية في أفريقيا وتضم نحو 200 طالب سنويًا من 25 دولة أفريقية فيما تستهدف الوصول إلى 43 دولة بالقارة.
ولفت إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا يقترب من 2,9 مليار دولار في حين يصل حجم التبادل التجاري بين فرنسا ودول تجمع الكوميسا إلى نحو 13 مليار دولار ما يعكس أهمية الدور المصري في التحركات الفرنسية الجديدة داخل أفريقيا.
وأشار رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة إلى أن اختيار كينيا لاستضافة القمة يحمل دلالات اقتصادية واستراتيجية مهمة موضحًا أن الدولة الواقعة في شرق أفريقيا تضم نحو 54 مليون نسمة ويصل ناتجها المحلي الإجمالي إلى 136 مليار فضلًا عن امتلاكها بنية متطورة نسبيًا في مجالات التكنولوجيا المالية بالإضافة إلى ميناء مومباسا الذي يمثل منفذًا حيويًا لدول حبيسة مثل أوغندا ورواندا وبوروندي.
وأضاف أن القمة شهدت مشاركة أكثر من 32 دولة أفريقية وحضور ما يزيد على 30 رئيس دولة إلى جانب نحو 3ألاف رجل أعمال فضلًا عن مشاركة أكبر 5 أثرياء في القارة الأفريقية بالإضافة إلى أكثر من 150 شركة فرنسية وأكبر 4 مؤسسات تمويل فرنسية.
وأوضح أن المباحثات ركزت على ملفات تطوير الموانئ والبنية التحتية والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر لافتًا إلى وجود خطط لتطوير بعض الأرصفة والموانئ في موباسا باستثمارات تتجاوز 770 مليون يورو إلى جانب مشروعات لوجستية مرتبطة بالمحاصيل الزراعية مثل الشاي ةالقهوة والزهور والفواكه.
وشدد الشرقاوي على أن نجاح أي شراكة جديدة داخل أفريقيا لن يقاس بحجم الاتفاقيات أو القمم وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج فعلية تتعلق بنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وتطوير البنية التحتية وتحسين مستويات المعيشة داخل الدول الأفريقية.
كما أكد أن الفصل بين الاقتصاد والسياسة لم يعد ممكنًا في المرحلة الحالية موضحًا أن قوة الاقتصاد والبنية التحتية تمنح الدول قدرة أكبر على حماية مواقفها السياسية والحفاظ على سيادتها الوطنية.
وأشار إلى أن أفريقيا مقبلة على ما وصفه" بصيف دبلوماسي ساخن" في ظل تعدد القمم الاقتصادية والسياسية المرتقبة ومنها القمة الأفريقية الأمريكية في موريشيوس خلال يوليز المقبل بالإضافة إلى استضافة مصر لقمة منتصف العام في مدينة العالمين فضلًا عن منتدى الأعمال الأفريقي الذي يُعقد كل عامين.
وفيما يتعلق بملف الديون دعا الدكتور يسري الشرقاوي إلى التوسع في اَليات مبادلة الديون بالاستثمارات معتبرًا أنها من الأدوات الفعالة لدعم الاقتصادات الأفريقية مستشهدًا بتجارب مصر مع كل من إيطاليا وألمانيا مؤكدًا أن القضية الأساسية ليست الديون في حد ذاتها وإنما كيفية تظيف الموارد وبناء شراكات حقيقية قائمة على نقل التكنولوجيا ةالقيمة المضافة.
وأكد على أن مستقبل أفريقيا سيتحدد بمدى قدرة الحكومات الأفريقية على إدارة التفاوض مع القوى الدولية بشكل يضمن الحفاظ على السيادة الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة مشددًا على أن القارة أصبحت تمتلك من الوعي والإمكانيات ماي يؤهلها لتغيير قواعد اللعبة الدولية خلال السنوات المقبلة.