عندما أعلنت الجهات الرسمية تراجع معدل البطالة في مصر إلى 6.2% خلال الربع الأخير من عام 2025، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه يحمل رسالة إيجابية واضحة عن تحسن أوضاع سوق العمل، فالرقم يعد من أدنى المعدلات المسجلة خلال سنوات طويلة، ويعكس استمرار قدرة الاقتصاد على استيعاب مزيد من الداخلين إلى سوق العمل، غير أن قراءة أكثر عمقًا للبيانات تكشف أن القصة الحقيقية لا تتعلق بعدد الوظائف فقط، بل بطبيعة هذه الوظائف ومستوى الدخل الذي توفره للعاملين.
بحسب بيانات سوق العمل، ارتفع حجم قوة العمل إلى نحو 34.8 مليون فرد، في الوقت الذي انخفض فيه عدد المتعطلين بنحو 77 ألف شخص مقارنة بالربع السابق، وهي مؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة رغم الضغوط الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. إلا أن هذه الصورة الإيجابية تخفي تفاوتات حادة بين الفئات المختلفة داخل سوق العمل.
وتظل فئة الشباب هي الحلقة الأكثر هشاشة، فرغم التحسن المسجل، ما تزال بطالة الفئة العمرية بين 15 و29 عامًا عند مستويات مرتفعة تبلغ 13.2%، أي أكثر من ضعف المعدل العام تقريبًا، ويعني ذلك أن شريحة واسعة من الشباب لا تزال تواجه صعوبات في الانتقال من التعليم إلى العمل، أو في العثور على وظائف تتناسب مع مؤهلاتها وتطلعاتها المهنية.
الفجوة الكبيرة
أما الفجوة الأكبر فتظهر عند النظر إلى النوع الاجتماعي، فمعدل بطالة الإناث بلغ 15.3% مقابل 3.7% فقط للذكور، وهو فارق يكشف استمرار التحديات التي تواجه مشاركة المرأة في سوق العمل، ورغم التحسن التدريجي في معدلات التوظيف النسائية، فإن الأرقام تشير إلى أن فرص العمل المتاحة للنساء لا تزال أقل بكثير من نظيرتها للرجال، سواء من حيث الكم أو الجودة.
لكن التحدي الأهم ربما يكمن في مسألة الأجور، فوجود وظيفة لا يعني بالضرورة تحقيق مستوى معيشة لائق، وتشير تقديرات ومتابعات سوق العمل إلى أن شريحة واسعة من العاملين تتقاضى أجورًا تقل عن مستويات الحد الأدنى المقررة، ما يخلق ظاهرة يصفها الاقتصاديون بـ"الفقر الوظيفي"، حيث يمتلك الفرد وظيفة لكنه لا يمتلك دخلاً يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في سوق العمل المصري، فمعدلات البطالة تتراجع بالفعل، لكن جودة الوظائف لا تتحسن بالسرعة نفسها، كما أن جزءًا من الوظائف الجديدة يتركز في قطاعات منخفضة الإنتاجية أو في الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يحد من تأثيرها على مستويات الدخل والرفاه الاجتماعي.
لذلك لم يعد السؤال الرئيسي أمام صانع السياسات: "كم وظيفة تم خلقها؟"، بل أصبح: “كم وظيفة توفر دخلاً كافيًا وفرصة للتطور المهني؟”، فنجاح الاقتصاد لا يقاس فقط بانخفاض البطالة، وإنما بقدرته على خلق وظائف مستقرة ومنتجة ترفع مستوى معيشة المواطنين وتدعم نمو الطبقة الوسطى، وفي هذا الاختبار تحديدًا، لا يزال أمام سوق العمل المصري الكثير من العمل.