تعد صوامع الغلال من أهم الركائز التي تعتمد عليها الدولة في بناء منظومة حديثة لتحقيق الأمن الغذائي ومن أبرز إنجازات ثورة 30 يونيو ، حيث تمثل حلا متطورا لمشكلة فقد الحبوب التي كانت تحدث في أساليب التخزين التقليدية مثل الشون الترابية، وقد أصبحت هذه الصوامع عنصرا أساسيا في استراتيجية مصر للحفاظ على المخزون الاستراتيجي من الحبوب، وعلى رأسها القمح، باعتباره أحد أهم السلع الغذائية التي يعتمد عليها المواطن بشكل يومي.
وفي إطار سعي الدولة لتطوير هذا القطاع الحيوي، شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ مشروعات كبرى لإنشاء صوامع حديثة في مختلف المحافظات، بهدف رفع القدرة التخزينية وتقليل نسبة الفاقد التي كانت تتعرض لها الحبوب نتيجة العوامل الجوية والرطوبة والحشرات، وقد أثبتت التجربة أن استخدام الصوامع الحديثة يساهم بشكل كبير في الحفاظ على جودة الحبوب لفترات أطول مقارنة بطرق التخزين القديمة، كما يساعد في تقليل الهدر الذي كان يصل إلى نسب ملحوظة في السابق.
وفي عام 2022، بدأت الدولة تنفيذ المشروع القومي للصوامع كجزء من خطة شاملة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وضمان توافر الاحتياطي الاستراتيجي من الحبوب، ويشمل هذا المشروع إنشاء عدد كبير من الصوامع الحديثة تصل إلى نحو خمسين صومعة موزعة على عدد من المحافظات، بطاقة تخزينية تقدر بحوالي مليون ونصف طن من الحبوب، وتم تصميم هذه الصوامع وفق أحدث النظم التكنولوجية التي تتيح التحكم في درجات الحرارة والرطوبة داخل المخازن، مما يحافظ على جودة القمح والحبوب الأخرى ويمنع تلفها.
ويهدف هذا المشروع في الأساس إلى تقليل الفاقد الكمي والنوعي للحبوب الذي كان يحدث في الشون التقليدية المفتوحة، حيث كانت نسبة الفقد تصل إلى حوالي عشرة في المئة من إجمالي الكميات المخزنة. ومع تطبيق النظام الحديث، انخفضت هذه النسبة بشكل ملحوظ، مما انعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني وعلى قدرة الدولة في توفير السلع الأساسية للمواطنين بأسعار مستقرة.
ويستهدف هذا المشروع تحقيق إنتاج سنوي كبير يصل إلى حوالي مليون ونصف طن، بالإضافة إلى إنشاء سوق لوجستي ضخم على مساحة كبيرة مخصصة لتداول الحاصلات الزراعية، مما يجعله واحدا من أكبر المراكز اللوجستية في المنطقة، ويساعد هذا النوع من المشروعات في تقليل الفاقد أثناء النقل والتداول، ويعزز من كفاءة سلاسل الإمداد الغذائي داخل الدولة.
كما شهدت منظومة تخزين الحبوب في مصر تطورا كبيرا في مجال التحول الرقمي والميكنة، حيث تم إدخال أنظمة إلكترونية حديثة لإدارة عمليات الاستلام والتخزين والصرف، وتتيح هذه الأنظمة تتبع حركة الحبوب منذ لحظة دخولها إلى الصوامع عبر الشاحنات، وحتى إتمام عملية التفريغ والتخزين النهائي، مرورا بعمليات الوزن والفحص والفرز.
ويتم متابعة جميع هذه العمليات من خلال غرف تحكم مركزية تعمل بنظام إلكتروني متكامل، مما يقلل من التدخل البشري في العمليات الحساسة، ويحد من فرص الخطأ أو التلاعب، ويضمن دقة البيانات الخاصة بكميات الحبوب المخزنة والمصروف، هذا التطور التكنولوجي ساعد بشكل كبير في رفع كفاءة الإدارة وتحسين مستوى الشفافية داخل المنظومة.
وتتضمن المشروعات القومية في هذا المجال توسعات ضخمة في مناطق متعددة، من بينها مشروع الدلتا الجديدة الذي يعد من أكبر مشروعات الاستصلاح الزراعي، ومشروع تنمية توشكى في جنوب الوادي، ومشروعات تنمية شمال ووسط سيناء، بالإضافة إلى مشروع تنمية الريف المصري الذي يهدف إلى توفير فرص زراعية جديدة ودعم المجتمعات الريفية، إلى جانب مشروعات أخرى في الصعيد والوادي الجديد.
في الوقت نفسه تعد الصوامع الحديثة من أهم وسائل تخزين الحبوب في الوقت الحالي، وتختلف في قدراتها الاستيعابية حسب حجم المشروع واحتياجاته، فهناك صوامع بسعة 500 طن، وأخرى بسعة 750 طن، بالإضافة إلى صوامع أكبر تصل سعتها إلى 1000 طن، ويتم اختيار السعة المناسبة وفقا لطبيعة الموقع وحجم الإنتاج المتوقع.
كما تحتوي الصوامع الحديثة على حساسات إلكترونية دقيقة لمراقبة حالة المخزون داخلها بشكل مستمر، سواء من حيث درجة الحرارة أو نسبة الرطوبة أو الكمية المتاحة، مما يتيح متابعة دقيقة لقدرتها التخزينية وإدارة المحتوى بشكل فعال دون تدخل بشري مباشر في أغلب الأحيان.
وتتوافر الصوامع بقدرات إنتاجية وتخزينية مختلفة تبدأ من 30 طن في بعض النماذج الصغيرة، وتصل إلى مئات وآلاف الأطنان في الصوامع الكبيرة المستخدمة في المشروعات القومية، وقد شهد قطاع الصوامع في مصر تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الصوامع من 32 صومعة في عام 2014 إلى نحو 89 صومعة في الوقت الحالي، بإجمالي سعات تخزينية تصل إلى حوالي 4 ملايين طن.
وتستهدف الدولة التوسع في هذه السعات خلال السنوات المقبلة لتصل إلى نحو 6 ملايين طن، من خلال تنفيذ مشروعات جديدة وتطوير الصوامع القائمة في عدد من المواقع الحيوية مثل الإسكندرية وأسيوط والترامسة، بالإضافة إلى إنشاء صوامع حديثة في موانئ بورسعيد وعدد من المحافظات الأخرى، بهدف دعم منظومة تخزين الحبوب وتعزيز الأمن الغذائي على مستوى الجمهورية.
اتجاه واضح لزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي
وفي ضوء ذلك قال عبد الغفار السلاموني، نائب رئيس مجلس إدارة غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية، إن الدولة تمضي في اتجاه واضح نحو زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي من السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح المستخدم في صناعة الخبز المدعم.
وأوضح أن هذا التوجه يسهم في تقليل حجم الاستيراد بشكل ملحوظ، مما ينعكس إيجابا على تقليل الضغط على العملة الأجنبية ودعم الاقتصاد الوطني.
أشار إلى أن غرفة صناعة الحبوب تقدمت بمقترح متكامل لزيادة الطاقة التخزينية الخاصة بالأقماح المستوردة، بالتعاون مع الشركة المصرية القابضة للصوامع والتخزين، وذلك بهدف توفير مساحات كافية لاستيعاب كميات القمح المحلية والمستوردة خلال موسم 2026/2027.
ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع خطة الدولة للتوسع الزراعي الأفقي بإضافة نحو مليوني فدان جديدة لزراعة القمح في عدة مناطق من بينها الدلتا الجديدة وشرق العوينات والواحات والفرافرة وتوشكى، إلى جانب التوسع الرأسي من خلال تحسين الإنتاجية الزراعية وتشجيع المزارعين عبر أسعار توريد محفزة تفوق تكلفة الاستيراد.
كما شدد على أن نجاح منظومة الأمن التخزيني يعتمد على التنسيق الكامل بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك هيئة السلع التموينية واللجنة العليا لبرامج القمح والشركة المصرية القابضة للصوامع والتخزين، إلى جانب الشركة القابضة للصناعات الغذائية، وهو ما يضمن إدارة أكثر كفاءة للمخزون الاستراتيجي.
وأوضح أن غرفة صناعة الحبوب حرصت على طرح السعات التخزينية المتاحة لدى القطاع الخاص لدعم خطط الدولة، وهو ما أسفر عن التعاقد مع عدد من الصوامع الحديثة ذات القدرات الكبيرة، ومن بين هذه الصوامع صومعة أرم الدولية الواقعة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي بسعة تصل إلى نحو 150 ألف طن، وصومعة راجح في العياط بسعة 30 ألف طن، وصومعة المنى في محافظة الشرقية بسعة 50 ألف طن، إضافة إلى صومعة بورسعيد بسعة 18 ألف طن، وصومعة المهندس في محافظة القليوبية بسعة 50 ألف طن.
كما أكد أن الهدف من هذا التوسع هو دعم قدرة الشركة المصرية القابضة للصوامع والتخزين على استيعاب الزيادات المتوقعة في إنتاج القمح المحلي خلال موسم 2026/2027، والتي قد تتجاوز 6 ملايين طن، بجانب كميات القمح المستوردة التي يتم استيرادها لتغطية الاحتياجات الاستهلاكية.
ولفت إلى أن تجربة التعاون بين الشركة المصرية القابضة للصوامع وشركات القطاع الخاص أثبتت نجاحا كبيرا خلال الموسم الحالي، حيث ساهمت في توفير السعات التخزينية المطلوبة لاستقبال كميات القمح المتزايدة، وذلك في إطار من الشفافية الكاملة وتحت إشراف الجهات الرقابية المختصة.