الأحد، 19 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
استثمارات استثمارات

خريطة الاستثمارات الأجنبية الجديدة في مصر.. من يقود موجة التوسع؟

لم تعد الاستثمارات الأجنبية في مصر تعتمد على مصدر واحد أو تتركز في منطقة بعينها. فبعد سنوات تصدرت فيها الاستثمارات الخليجية المشهد، تشهد السوق المصرية اليوم تنوعًا غير مسبوق في جنسيات المستثمرين والقطاعات التي يستهدفونها، مع دخول الصين بقوة، وتوسع تركي متسارع، وحضور أوروبي متزايد في الطاقة والصناعة، إلى جانب استمرار الزخم الخليجي.

هذا التنوع لا يعكس فقط اتساع قاعدة المستثمرين، بل يشير أيضًا إلى تحول مصر تدريجيًا إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير، مستفيدًا من موقعها الجغرافي وشبكة اتفاقياتها التجارية والإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة.

أرقام تعكس تغير المشهد

بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال العام المالي الاستثنائي 2023/2024 أكثر من 47 مليار دولار، إلا أن الجزء الأكبر من هذا الرقم جاء مدفوعًا بصفقة تطوير رأس الحكمة.

وباستبعاد هذه الصفقة، سجلت الاستثمارات الأجنبية التشغيلية نحو 12 مليار دولار خلال 2024/2025، محققة نموًا سنويًا يقارب 10%، بينما تستهدف الحكومة رفع صافي الاستثمار الأجنبي إلى 42 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، ثم إلى 55 مليار دولار بحلول 2028/2029، وصولًا إلى 60 مليار دولار بحلول عام 2030.

الصين.. اللاعب الأسرع صعودًا

إذا كان الخليج يحتفظ بثقله التاريخي، فإن الصين أصبحت صاحبة أسرع وتيرة توسع داخل السوق المصرية.

فخلال عام 2025 وحده، تم تأسيس 517 شركة صينية جديدة، ليرتفع إجمالي الشركات الصينية العاملة في مصر إلى نحو 2800 شركة باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار.

وتتجه معظم هذه الاستثمارات إلى الصناعات التصديرية، خاصة تصنيع الأجهزة المنزلية والإلكترونيات، في إطار استراتيجية تستهدف تحويل مصر إلى مركز إنتاج يخدم أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

تركيا.. رهان على التصنيع والتشغيل

الاستثمارات التركية واصلت بدورها التوسع، مع تسجيل 275 شركة جديدة، معظمها في الصناعات كثيفة العمالة مثل الملابس الجاهزة والمنسوجات والأدوات المنزلية.

وتقدر الاستثمارات التركية القائمة بنحو 4 مليارات دولار، بينما تتركز مصانعها في المدن الصناعية الكبرى، وعلى رأسها السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان، مستفيدة من توافر العمالة وشبكات النقل الحديثة.

الولايات المتحدة وألمانيا.. التكنولوجيا والطاقة

وفي المقابل، تتجه الاستثمارات الأمريكية والألمانية نحو القطاعات الأعلى قيمة مضافة.

فقد سجلت الولايات المتحدة 141 شركة جديدة، بينما أضافت ألمانيا 129 شركة، مع تركيز واضح على التكنولوجيا، وخدمات التعهيد، والطاقة، والصناعات الهندسية، إضافة إلى مشروعات الطاقة المتجددة وتوربينات الرياح.

ويعكس هذا التوجه تنامي اهتمام المستثمرين الغربيين بالقطاعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتحول نحو الطاقة النظيفة.

الخليج.. الشريك الأكبر تاريخيًا

ورغم صعود مستثمرين جدد، لا تزال دول الخليج تمثل العمود الفقري للاستثمار الأجنبي في مصر.

وتواصل الإمارات والسعودية والكويت وقطر ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات العقارات والطاقة والصناعة والخدمات.

ومن أبرز المؤشرات في هذا الإطار، خطة الكويت لرفع استثماراتها في مصر بنحو 20% خلال عام 2026 لتصل إلى 5.3 مليار دولار، من خلال 1431 مشروعًا في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والتكنولوجيا والتطوير العقاري والصناعات الدوائية.

أوروبا تراهن على مستقبل الطاقة

في قطاع الطاقة، يبرز الحضور الأوروبي بقوة، حيث تقود شركتا إيني الإيطالية وبي بي البريطانية أكبر الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط والغاز.

وتخطط الشركتان لضخ أكثر من 13 مليار دولار في أعمال الاستكشاف والتطوير، بالتوازي مع توقيع الحكومة عشرات الاتفاقيات الجديدة مع شركات طاقة عالمية، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز إنتاج الغاز والتوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.

المستثمرون الحاليون يضخون أموالًا جديدة

ولا تكمن أهمية المشهد الحالي في دخول شركات جديدة فقط، بل في سلوك المستثمرين القائمين بالفعل.

فوفقًا لبيانات البنك المركزي، أصبحت الأرباح المعاد استثمارها والتوسعات الرأسمالية تمثل المكون الأكبر من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما يعكس ثقة الشركات العاملة في السوق المصرية واستمرارها في التوسع بدلاً من الاكتفاء بالاستثمارات القائمة.

وتتوافق هذه المؤشرات مع الزيادة الملحوظة في عدد الشركات الجديدة، التي ارتفعت من 22.4 ألف شركة خلال 2018/2019 إلى نحو 38 ألف شركة في 2023/2024، فيما قفزت رؤوس الأموال المصدرة من 57 مليار جنيه إلى 198 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.

أين تتجه هذه الاستثمارات؟

تتوزع خريطة الاستثمار الأجنبي داخل مصر وفق طبيعة كل قطاع.

فالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أصبحت الوجهة الأولى للمشروعات الصناعية والتصديرية، مستفيدة من موقعها على أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

في المقابل، تستقطب مدينتا السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان معظم الصناعات الصينية والتركية، بينما تظل المدن الجديدة، وعلى رأسها العلمين ورأس الحكمة، مركزًا رئيسيًا للاستثمارات العقارية الخليجية.

أما مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، فتتجه بصورة متزايدة إلى مناطق الصحراء الغربية وخليج السويس، حيث تتركز استثمارات الشركات الأوروبية والدولية في الطاقة النظيفة.