تشير مؤشرات السياسة الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة إلى أن القطاع الخاص لم يعد مجرد شريك في عملية التنمية، بل أصبح المرشح لقيادة المرحلة المقبلة، في ظل توجه حكومي يستهدف إعادة توزيع الأدوار بين الدولة والمستثمر، بحيث تركز الحكومة على التنظيم وتطوير البنية الأساسية، بينما يتولى القطاع الخاص جانباً أكبر من الاستثمار والإنتاج.
ويبرز هذا التوجه في الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة (2026-2030)، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الخاص إلى أكثر من 65% من إجمالي الاستثمارات قبل نهاية العقد الحالي، بعدما ارتفعت بالفعل إلى 56.5% خلال السنوات الثلاث الماضية، مقارنة بنحو 39.8% في الفترة السابقة، وفق تصريحات رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي.
وتعزز بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي هذا المسار، إذ ارتفعت مساهمة الاستثمار الخاص إلى 47.5% من إجمالي الاستثمارات المنفذة خلال العام المالي 2024/2025، وهو أعلى مستوى خلال خمس سنوات، مقابل تراجع مساهمة الاستثمار العام إلى 43.3%، بما يعكس تحولاً تدريجياً في هيكل تمويل النمو الاقتصادي.
ويعد برنامج الطروحات الحكومية أحد أبرز أدوات هذا التحول، حيث تؤكد الهيئة العامة للرقابة المالية أن البرنامج يمثل ركيزة لتنفيذ مستهدفات وثيقة ملكية الدولة.
وحتى الآن، تم قيد 12 شركة تابعة لقطاع الأعمال العام في البورصة المصرية، مع استكمال إجراءات قيد ثماني شركات أخرى، إلى جانب تجهيز 10 شركات بقطاع البترول، من بينها شركة خدمات البترول البحرية (PMS)، بما يوسع قاعدة الملكية ويتيح للقطاع الخاص المشاركة في إدارة وتمويل هذه الكيانات.
كما تتوسع الدولة في نماذج الشراكة مع المستثمرين، وهو ما تجسد في اتفاق نقل ملكية حصة من 172 محطة وقود تعمل تحت العلامة التجارية "وطنية" إلى شركة "كويك فيول"، في إطار إعادة هيكلة الأصول المملوكة للدولة وتهيئتها لمشاركة أكبر من القطاع الخاص، سواء عبر الإدارة أو الملكية أو الطرح في البورصة.
ويرى عدد من الخبراء أن الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة يعكس انتقال الحكومة من مرحلة التخارج الجزئي إلى تبني رؤية أكثر شمولاً لإدارة الأصول العامة، تقوم على الحوكمة وتعظيم العائد الاقتصادي، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد ويحفز الاستثمار الخاص.
وتشير هذه التطورات إلى أن القطاع الخاص أصبح محوراً رئيسياً في استراتيجية النمو الاقتصادي، ليس فقط من خلال زيادة مساهمته في الاستثمارات، وإنما أيضاً عبر توسيع دوره في إدارة الأصول، وتمويل المشروعات، وزيادة الإنتاج والصادرات، بما يعكس تحولاً تدريجياً في نموذج التنمية الذي تتبناه الدولة خلال المرحلة المقبلة.