لم تعد القاهرة الكبرى المركز الوحيد الذي تُستقطب إليه الاستثمارات والمشروعات الجديدة، إذ اتجهت الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة توزيع النشاط الاقتصادي على مختلف الأقاليم، في إطار استراتيجية تستهدف خلق مراكز إنتاج وتنمية جديدة، وتقليل الفجوة التنموية بين المحافظات، وربط الاستثمار بالموارد والميزات النسبية لكل منطقة.
ويبرز الصعيد في مقدمة هذه الاستراتيجية، حيث خصصت الحكومة استثمارات بقيمة 65.7 مليار جنيه ضمن خطة العام المالي 2025/2026، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
وتوزعت هذه الاستثمارات بين إقليم جنوب الصعيد بنحو 31.7 مليار جنيه، وشمال الصعيد بقيمة 21.8 مليار جنيه، ووسط الصعيد بنحو 12.3 مليار جنيه، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز البنية الاقتصادية في المحافظات الأكثر احتياجاً للاستثمار.
ويمتد هذا التوجه إلى القطاع الصناعي، إذ أنشأت الهيئة العامة للتنمية الصناعية 16 مجمعاً صناعياً في 15 محافظة باستثمارات بلغت 10 مليارات جنيه، تضم 4808 وحدات صناعية وفرت نحو 48 ألف فرصة عمل.
واستحوذت محافظات الصعيد وحدها على 2628 وحدة داخل 10 مجمعات صناعية، بما يمثل أكثر من نصف الوحدات المطروحة، في خطوة تستهدف جذب الصناعات إلى مناطق كانت أقل نصيباً من النشاط الإنتاجي.
كما توسعت الدولة في طرح الفرص الاستثمارية خارج العاصمة، إذ تضم خريطة الاستثمار الصناعي نحو 3000 فرصة موزعة على مختلف المحافظات، بينما تشمل خريطة مصر الاستثمارية مشروعات متنوعة في المحافظات الحدودية والساحلية، مثل جنوب سيناء والبحر الأحمر والإسكندرية، وفقاً للمزايا التنافسية لكل محافظة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات اللوجستية أو السياحة.
الناتج المحلي الإجمالي في مصر:
ويرى خبراء أن نجاح هذا التوجه يتطلب استكمال حزم الحوافز الموجهة للمحافظات، خاصة في الصعيد، عبر تبسيط الإجراءات، والتوسع في تخصيص الأراضي بحق الانتفاع، وتقديم حوافز ضريبية للمشروعات الإنتاجية، بما يسهم في جذب المستثمرين وربط الإنتاج الزراعي بالصناعات الغذائية وسلاسل التوريد.
وتؤكد مؤشرات التنمية الصناعية أن الدولة لم تعد تنظر إلى المحافظات باعتبارها امتداداً للقاهرة، بل باعتبارها مراكز اقتصادية مستقلة يمكن أن تقود النمو في قطاعات مختلفة.
ومع التوسع في إنشاء المناطق الصناعية، وتحسين البنية الأساسية، وتوزيع الفرص الاستثمارية على مختلف الأقاليم، يبدو أن فلسفة التنمية تتجه نحو بناء اقتصاد أكثر توازناً جغرافياً، يقوم على استغلال المزايا النسبية لكل محافظة، بدلاً من تركيز النشاط الاقتصادي في نطاق جغرافي محدود.