السبت، 04 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
العاصمة العاصمة

من العاصمة الإدارية إلى رأس الحكمة.. كيف تجذب الدولة المستثمرين للمشروعات الكبرى؟

تشير التحولات التي تشهدها السياسة الاستثمارية في مصر إلى تغير في أسلوب تمويل المشروعات الكبرى، إذ تتجه الدولة بصورة متزايدة إلى الاعتماد على الشراكات مع المستثمرين الاستراتيجيين بدلاً من التمويل الحكومي المباشر، بما يتيح جذب رؤوس أموال أجنبية، وتقليل الضغوط على الموازنة العامة، وتسريع تنفيذ المشروعات التنموية.

وتعد صفقة تطوير مدينة رأس الحكمة مع دولة الإمارات، بقيمة 35 مليار دولار، النموذج الأبرز لهذا التوجه، إذ أسهمت في رفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 46.1 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، قبل أن يعود إلى مستوياته الطبيعية مسجلاً 12.2 مليار دولار في العام المالي 2024/2025، وفق بيانات ميزان المدفوعات الصادرة عن البنك المركزي المصري، وهو ما يعكس الأثر الاستثنائي للصفقة على تدفقات الاستثمار.

ويمتد هذا النموذج إلى مشروعات أخرى، من بينها مشروع "علم الروم"، الذي يطوره صندوق مصر السيادي بالشراكة مع شركة "الديار القطرية" باستثمارات تبلغ 29.7 مليار دولار، في إطار توجه يستهدف استغلال الأصول المملوكة للدولة عبر شراكات استثمارية طويلة الأجل، بما يعزز مساهمة القطاع الخاص في التنمية.

ولتهيئة بيئة جاذبة لهذه الاستثمارات، اعتمدت الحكومة مجموعة من الحوافز، يأتي في مقدمتها نظام "الرخصة الذهبية"، الذي يختصر إجراءات التراخيص في موافقة موحدة تصدر خلال 20 يوم عمل. 

زاد الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بمقدار 5223 مليون دولار أمريكي في الربع الثالث من عام 2025. بلغ متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر 3582.88 مليون دولار أمريكي من عام 2002 حتى عام 2025، وحقق أعلى مستوى له على الإطلاق عند 25108.60 مليون دولار أمريكي في الربع الثاني من عام 2024، وسجل أدنى مستوى له عند 40.70 مليون دولار أمريكي في الربع الثاني من عام 2002.

ووفق بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، حصلت نحو 52 شركة على هذه الرخصة حتى مارس 2026، باستثمارات تجاوزت 20 مليار دولار، إلى جانب التوسع في تخصيص الأراضي بنظام حق الانتفاع، بما يخفف الأعباء الرأسمالية على المستثمرين ويشجع ضخ استثمارات جديدة.

كما تعكس مؤشرات السوق العقارية استمرار جاذبية المشروعات الكبرى أمام المستثمرين الأجانب، إذ ارتفعت الاستثمارات الواردة لشراء العقارات من غير المقيمين بنسبة 37% خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2025، لتبلغ نحو مليار دولار، مقارنة بنحو 732 مليون دولار خلال الفترة المناظرة، وفق بيانات البنك المركزي، بما يعكس تنامي الإقبال على المشروعات العمرانية الكبرى.

وفي السياق ذاته، عززت هذه التدفقات نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري، حيث رفعت وكالة "فيتش" التصنيف الائتماني لمصر من B- إلى B مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرة إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي، وفي مقدمتها صفقة رأس الحكمة، إلى جانب إصلاحات سعر الصرف، أسهمت في دعم الاحتياطيات الأجنبية وتعزيز الاستقرار المالي.

وتشير هذه التطورات إلى أن الدولة لم تعد تنظر إلى المشروعات الكبرى باعتبارها مشروعات تمولها الخزانة العامة، بل باعتبارها منصات استثمارية قادرة على جذب رؤوس الأموال والشراكات الدولية، بما يربط التنمية العمرانية مباشرة بتدفقات الاستثمار والنمو الاقتصادي.