لم تعد المنافسة على جذب الاستثمارات تعتمد فقط على الحوافز الضريبية أو توافر الأراضي، بل أصبحت سرعة إنجاز الإجراءات أحد أهم معايير التنافس بين الدول.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، تتجه الحكومة المصرية إلى تقليص الزمن الذي يستغرقه المستثمر في إنهاء معاملاته، باعتبار أن الوقت أصبح أحد الأصول الاقتصادية القادرة على خفض التكلفة وزيادة تنافسية السوق.
ويبرز ملف الإفراج الجمركي باعتباره أحد أهم مؤشرات هذا التحول. فبحسب هيئة الرقابة على الصادرات والواردات، تستهدف الدولة خفض متوسط زمن الإفراج الجمركي إلى يومين فقط بنهاية عام 2025، بعد أن كان يستغرق نحو 28 يوماً في عام 2018، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى متوسط 5.2 يوم.
ويهدف هذا التطور إلى تقليل تكلفة التخزين، وتسريع دوران البضائع، وتخفيف الأعباء التي تتحملها المصانع والمستوردون.
ولتحقيق ذلك، توسعت الدولة في الاعتماد على الحلول الرقمية، إذ تغطي منصة "نافذة" الإلكترونية أكثر من 95% من إجمالي البضائع الواردة، بالتوازي مع التطبيق الإلزامي لنظام التسجيل المسبق للشحنات (ACI)، الذي يسمح باستكمال جانب كبير من الإجراءات قبل وصول الشحنات إلى الموانئ، بما يختصر زمن الإفراج ويحد من التعقيدات الإدارية.
ويمتد مفهوم السرعة إلى بيئة الاستثمار نفسها، حيث تختصر "الرخصة الذهبية" الإجراءات التقليدية في موافقة موحدة تصدر خلال 20 يوم عمل، تشمل تراخيص البناء والتشغيل وتخصيص الأراضي، بينما تتيح منصة "مصر الصناعية الرقمية" للمستثمرين حجز الأراضي الصناعية واستكمال جميع الإجراءات إلكترونياً، مع إجراء القرعة بين المتقدمين آلياً، بما يعزز الشفافية ويقلل الزمن اللازم لبدء المشروعات.
الناتج المحلي الإجمالي لمصر من التعدين:
كما تتبنى الدولة النهج نفسه في ملف تخصيص الأراضي الصناعية، إذ تؤكد وزارة الصناعة أن الأولوية أصبحت لتسريع قرارات التخصيص والانتهاء من الإجراءات في أقصر وقت ممكن، بما يسمح للمستثمر الجاد ببدء التنفيذ فوراً، ويحد من فترات الانتظار التي كانت تمثل أحد أبرز معوقات الاستثمار.
وفي السياق ذاته، ساهم التوسع في منظومة الفاتورة الإلكترونية والإقرارات الضريبية الرقمية في تقليل الوقت والجهد اللازمين للامتثال الضريبي، ضمن مسار أوسع يستهدف تبسيط الخدمات الحكومية وتحسين بيئة الأعمال.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن الدولة لم تعد تنظر إلى الوقت باعتباره مجرد عنصر إداري، بل باعتباره مورداً اقتصادياً مؤثراً في تكلفة الإنتاج وجاذبية الاستثمار. فكل يوم يُختصر من دورة الإفراج الجمركي أو إصدار التراخيص يعني خفضاً في التكلفة، وتسريعاً للإنتاج، وزيادة في القدرة التنافسية، وهو ما يجعل "اقتصاد السرعة" أحد أبرز ملامح المرحلة الجديدة من الإصلاح الاقتصادي في مصر.