الخميس، 16 يوليو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
م / محمد عطية خبير الطاقة م / محمد عطية خبير الطاقة

خبير الطاقة فى حواره لـ"عالم المال "

محمد عطية: أكثر من 60 جيجاوات قدرات كهربائية يلزم تحويلها إلى استثمارات

محمد عطية: أكثر من 60 جيجاوات قدرات كهربائية و20 جيجاوات فائض.. والرهان على تحويلها إلى نمو اقتصادي 

انتهينا من بناء البنية الأساسية.. وحان وقت تعظيم العائد من استثمارات الطاقة 

استهداف 42% طاقة متجددة بحلول 2030 يتطلب شبكات ذكية وأنظمة تخزين 

الطاقة لم تعد خدمة.. بل محرك رئيسي للاستثمار والصناعة 

كل وحدة غاز تدخل الصناعة تحقق عائدًا يفوق تصديرها خامًا 

فائض الكهرباء لن يحقق قيمته إلا بتحويله إلى مصانع وصادرات 

نجاح الهيدروجين الأخضر يقاس بالمشروعات المنتجة لا الاتفاقيات 

الطاقة النظيفة أصبحت مفتاح تنافسية الصادرات المصرية

أكد المهندس محمد عطية، خبير الطاقة، في حواره مع «عالم المال»، أن المرحلة المقبلة تتطلب تغييرًا في فلسفة إدارة قطاع الطاقة، بحيث لا يقتصر دوره على توفير الكهرباء والوقود، وإنما يمتد ليصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، من خلال تعظيم القيمة المضافة لموارد الطاقة، والتوسع في الصناعات التحويلية، ودعم مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة

والى نص الحوار : 

  • كيف يمكن ترجمة رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسى لتعظيم العائد من البنية الأساسية إلى خطوات عملية في قطاع الطاقة؟

أعتقد أن الرسالة الأهم في تصريحات السيد الرئيس هي أن الدولة انتقلت من مرحلة تأسيس البنية الأساسية إلى مرحلة تعظيم العائد الاقتصادي منها. 

وينطبق ذلك بصورة واضحة على قطاع الطاقة، الذي شهد خلال السنوات العشر الماضية استثمارات ضخمة غيرت خريطة الطاقة في مصر، سواء في الكهرباء أو الغاز الطبيعي أو الطاقة المتجددة. 

واليوم تمتلك الدولة فائضًا في قدرات إنتاج الكهرباء يتجاوز 20 جيجاوات، بعد أن ارتفعت القدرات المركبة إلى أكثر من 60 جيجاوات، وهو ما يوفر ميزة تنافسية لا تتوافر في كثير من دول المنطقة. لكن القيمة الاقتصادية لهذا الفائض لن تتحقق إلا إذا ارتبط بسياسات تستهدف التوسع الصناعي، وجذب الاستثمارات، وزيادة الصادرات. لذلك، أرى أن البرنامج الاقتصادي الجديد يجب أن يتعامل مع الطاقة باعتبارها أحد عوامل الإنتاج الرئيسية، وليس مجرد خدمة للمستهلك. 

فكل استثمار صناعي جديد يعتمد على طاقة مستقرة وتنافسية ينعكس على معدلات النمو، ويخلق فرص عمل، ويزيد من الصادرات، ويعزز حصيلة الدولة من النقد الأجنبي. كما أن دمج سياسات الطاقة مع السياسات الصناعية والتجارية سيجعل القطاع أكثر قدرة على قيادة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد منخفض الكربون.

 ألواح الطاقة الشمسية للمنازل
  • كيف يمكن تعظيم الاستفادة من الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة في قطاع الطاقة؟

في تقديري، الأولوية لم تعد إضافة قدرات إنتاجية جديدة بقدر ما أصبحت تعظيم الاستفادة الاقتصادية من القدرات القائمة. فقد نجحت الدولة في القضاء على أزمة الكهرباء وبناء شبكة تعد من الأقوى في المنطقة، وأصبح التحدي الآن هو رفع معدلات استغلال هذه الأصول من خلال التوسع في النشاط الصناعي والإنتاجي. وفي الوقت نفسه، ينبغي الإسراع في تطوير شبكات النقل والتوزيع، لأن التحول نحو الطاقة المتجددة يتطلب شبكة أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الإنتاج المتغير من الشمس والرياح. كذلك، فإن الاستثمار في أنظمة تخزين الكهرباء والشبكات الذكية أصبح ضرورة وليس رفاهية، خاصة مع استهداف الدولة رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030. ومن الملفات التي تستحق اهتمامًا أكبر أيضًا تحسين كفاءة استخدام الطاقة، إذ تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن برامج الكفاءة تعد أقل أدوات خفض تكلفة الطاقة والانبعاثات في الوقت نفسه. وأعتقد أن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بمدى قدرة قطاع الطاقة على دعم النمو الاقتصادي، وليس فقط بزيادة إنتاج الكهرباء.

  • ما السياسات المطلوبة لتعظيم الاستفادة من ثروات مصر في الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة؟

تمتلك مصر فرصة نادرة لأنها تجمع بين موارد الغاز الطبيعي والبنية التحتية المتطورة، وبين إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما يمنحها مزيجًا يصعب توافره في كثير من الدول. لكن الاستفادة الحقيقية من هذه الموارد تتطلب تغيير فلسفة إدارة القطاع، بحيث يكون الهدف هو تعظيم القيمة المضافة وليس تعظيم صادرات المواد الخام. فعلى سبيل المثال، توجيه الغاز الطبيعي إلى الصناعات البتروكيماوية أو إنتاج الأسمدة يحقق عائدًا اقتصاديًا وفرص عمل أكبر من تصديره في صورته الأولية. وفي المقابل، فإن التوسع في الطاقة المتجددة لا ينبغي أن يقتصر على إنتاج الكهرباء، وإنما يجب أن يمتد إلى دعم الصناعات التصديرية، وإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وتوفير كهرباء نظيفة للصناعات التي تستهدف الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل تطبيق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM). كما أن التكامل بين الغاز والطاقة المتجددة يمنح الاقتصاد المصري قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، ويعزز أمن الطاقة، وفي الوقت نفسه يرفع القدرة التنافسية للصادرات المصرية في الأسواق الدولية.

الطاقة المتجددة
 
  • كيف تنعكس وفرة الطاقة واستقرار الإمدادات على قرارات المستثمرين الصناعيين؟

أصبحت الطاقة اليوم أحد أهم محددات القدرة التنافسية للاقتصادات، ولم يعد المستثمر يقيّم الدولة فقط على أساس توافر الكهرباء أو الوقود، وإنما ينظر إلى تكلفة الطاقة واستقرار الإمدادات ونسبة الاعتماد على المصادر النظيفة. ومن هنا، فإن ما تمتلكه مصر من فائض في إنتاج الكهرباء، وبنية تحتية متطورة للغاز الطبيعي، وتوسع متسارع في مشروعات الطاقة المتجددة، يمثل عنصر جذب حقيقي للاستثمارات الصناعية. لكن هذه الميزة لن تحقق عائدها الكامل إلا إذا ارتبطت بسياسات صناعية واضحة تستهدف توطين الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل البتروكيماويات، والألومنيوم، والحديد والصلب، وصناعة الزجاج والأسمنت، إلى جانب الصناعات التكنولوجية ومراكز البيانات التي أصبحت من أكبر مستهلكي الكهرباء عالميًا. كما أن دخول الاتحاد الأوروبي في تطبيق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) يفرض واقعًا جديدًا، حيث ستصبح المنتجات المصنعة باستخدام طاقة منخفضة الانبعاثات أكثر قدرة على المنافسة. ولذلك، فإن توفير الكهرباء النظيفة بعقود طويلة الأجل للمستثمرين، إلى جانب استقرار السياسات التنظيمية، سيجعل قطاع الطاقة شريكًا مباشرًا في جذب الاستثمار الصناعي، وليس مجرد قطاع يقدم خدمة للمستثمر.

في ظل المنافسة العالمية على جذب الاستثمارات.. كيف يمكن لقطاع الطاقة أن يعزز جاذبية مصر للمستثمرين؟

حققت مصر خلال السنوات الماضية خطوات مهمة نحو ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، والبنية التحتية التي تضم محطتي إسالة للغاز الطبيعي، وشبكة قومية متطورة لنقل الغاز، ومشروعات الربط الكهربائي مع عدد من الدول العربية والإفريقية. لكن المنافسة الإقليمية تتطور بسرعة، وهو ما يتطلب الانتقال من مفهوم “دولة عبور للطاقة” إلى مفهوم “دولة تقدم خدمات متكاملة للطاقة”. وهذا يشمل التوسع في تجارة الكهرباء والغاز، وتقديم خدمات التخزين وإعادة التصدير، وإنشاء أسواق أكثر مرونة وشفافية تسمح بتداول الطاقة بين المنتجين والمستهلكين. كما أن استكمال مشروعات الربط الكهربائي مع السعودية واليونان وقبرص سيعزز قدرة مصر على تصدير الكهرباء، خاصة الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة. وفي تقديري، فإن الميزة التنافسية الحقيقية لمصر لن تعتمد فقط على موقعها أو بنيتها الأساسية، وإنما على قدرتها على تقديم خدمات ذات قيمة مضافة، وجذب الشركات العالمية العاملة في تجارة الطاقة، وتحويل هذا القطاع إلى أحد مصادر الدخل المستدام للاقتصاد الوطني.

  • ما أبرز التحديات التي تواجه صناعة الهيدروجين الأخضر في مصر؟

الهيدروجين الأخضر يمثل أحد أهم الفرص الاقتصادية التي يمكن أن تستفيد منها مصر خلال العقدين المقبلين، لكن نجاح هذه الصناعة لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما بعدد المشروعات التي تدخل مرحلة التشغيل والإنتاج. وقد استطاعت مصر بالفعل أن تجذب اهتمام كبرى الشركات العالمية، مستفيدة من توافر موارد الطاقة المتجددة، والموقع الجغرافي المتميز، وقربها من الأسواق الأوروبية. إلا أن المستثمر في هذا القطاع يحتاج إلى وضوح الرؤية بشأن الإجراءات، وسرعة تخصيص الأراضي، وتوافر البنية التحتية، وآليات تسعير الكهرباء، والحوافز الضريبية والجمركية. كذلك، من المهم العمل على توطين جزء من سلاسل الإمداد، لأن الاعتماد الكامل على استيراد المعدات سيؤثر على تنافسية المنتج المصري. وأرى أيضًا أن ربط مشروعات الهيدروجين الأخضر بخطط تطوير الموانئ والمناطق الصناعية سيخلق منظومة متكاملة قادرة على جذب المزيد من الاستثمارات، خاصة أن التوقعات الدولية تشير إلى أن الطلب العالمي على الهيدروجين منخفض الكربون سيشهد نموًا كبيرًا خلال العقود المقبلة، وأن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستكون من أبرز مناطق الإنتاج.

  • كيف يمكن لمصر تحقيق التوازن بين تعزيز أمن الطاقة والتوسع في التحول نحو الطاقة النظيفة؟

أثبتت التجارب الدولية، خاصة بعد أزمة الطاقة العالمية في عامي 2022 و2023، أن أمن الطاقة والاستدامة البيئية ليسا هدفين متعارضين، وإنما يكمل كل منهما الآخر إذا أُحسن التخطيط. فالدول التي اعتمدت على مصدر واحد للطاقة واجهت تحديات كبيرة عند اضطراب الأسواق، بينما نجحت الدول التي تمتلك مزيجًا متنوعًا في التعامل مع الأزمة بصورة أفضل. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الاعتماد على الغاز الطبيعي خلال المرحلة الانتقالية يظل خيارًا منطقيًا، بالتوازي مع التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والاستثمار في تقنيات تخزين الكهرباء والشبكات الذكية. كما أن تحسين كفاءة استخدام الطاقة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من استراتيجية أمن الطاقة، لأن الطاقة التي يتم توفيرها من خلال الكفاءة تمثل في الواقع مصدرًا إضافيًا للطاقة بتكلفة أقل من إنشاء محطات جديدة. لذلك، فإن التوازن الحقيقي يتحقق من خلال تنويع المصادر، وتحسين الكفاءة، وتوسيع الاعتماد على التقنيات النظيفة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار الإمدادات ودعم النمو الاقتصادي.

  • ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الصناعات التحويلية في زيادة العائد من موارد الطاقة؟

أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب تغييرًا في فلسفة إدارة موارد الطاقة، بحيث لا يكون الهدف الأساسي هو إنتاج الطاقة أو تصديرها في صورتها الأولية، وإنما تعظيم القيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد الوطني. فالتجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في تحويل مواردها الطبيعية إلى صناعات متقدمة هي التي استطاعت تحقيق معدلات نمو مستدامة. ومن هذا المنطلق، ينبغي توجيه جزء أكبر من الغاز الطبيعي إلى الصناعات البتروكيماوية والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة، مع التوسع في الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، مثل تصنيع مكونات محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والبطاريات، والكابلات، والمحولات الكهربائية. كما يجب أن ترتبط الحوافز الاستثمارية بنسبة المكون المحلي ونقل التكنولوجيا، حتى تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى أداة لبناء قاعدة صناعية وطنية، وليس مجرد مشروعات تعتمد على الاستيراد. كذلك، فإن دعم البحث العلمي وربط الجامعات ومراكز البحوث بالصناعة سيكون عاملًا مهمًا في تطوير حلول محلية تخفض تكلفة الإنتاج وتعزز القدرة التنافسية. وفي تقديري، فإن كل وحدة طاقة يتم توجيهها إلى الصناعة تحقق عائدًا اقتصاديًا وفرص عمل وقيمة مضافة تفوق كثيرًا العائد الناتج عن تصدير المواد الخام، وهو ما يتسق مع توجه الدولة نحو اقتصاد إنتاجي قائم على التصنيع والتصدير.

  • ما أبرز الملفات التي يجب أن يركز عليها قطاع الطاقة للحفاظ على تنافسيته وتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني؟

رغم ما حققه قطاع الطاقة من تطور كبير خلال السنوات الأخيرة، فإن المرحلة المقبلة تفرض تحديات جديدة تختلف عن تحديات الماضي. فلم تعد القضية الأساسية هي توفير الكهرباء أو الوقود، وإنما كيفية تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول التي تم إنشاؤها، وتحويلها إلى محرك للنمو الصناعي والاستثماري. ومن أبرز هذه التحديات توفير التمويل اللازم لمشروعات التحول في مجال الطاقة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا، إلى جانب الحاجة إلى تسريع تطوير شبكات النقل والتوزيع لاستيعاب التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة. كما أن تعميق التصنيع المحلي لمعدات ومكونات مشروعات الطاقة، وتوطين التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر البشرية، تمثل تحديات لا تقل أهمية عن جذب الاستثمارات نفسها، لأن القدرة التنافسية مستقبلاً ستعتمد على امتلاك التكنولوجيا وسلاسل القيمة، وليس فقط على توافر الموارد الطبيعية. وأضيف إلى ذلك أهمية تحقيق التوازن بين إصلاح أسعار الطاقة والحفاظ على تنافسية القطاع الصناعي، بحيث تستمر الطاقة في أداء دورها كعامل جذب للاستثمار، وليس عبئًا على الإنتاج. وإذا نجح البرنامج الاقتصادي الجديد في معالجة هذه الملفات بصورة متكاملة، فإن قطاع الطاقة لن يكون مجرد قطاع داعم للاقتصاد، بل سيكون أحد أهم محركات النمو، وزيادة الصادرات، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة والصناعة في المنطقة.