لسنوات طويلة، ظل الحديث عن السيارات الكهربائية في مصر مجرد "برستيج" بيئي وشعارات تُرفع في المؤتمرات، لكن الخريطة الاستثمارية لعام 2026 تؤكد أن الملف انتقل رسمياً إلى مرحلة ضخ المليارات وتدشين المصانع.
ومع هذا التحول المتسارع، يبرز السؤال الجوهري والمؤرق: من سيتكفل بالدفع الفعلي لثمن هذه المنظومة الجديدة، وهل الميزانية الشخصية للمواطن المصري مهيأة ومستعدة لتبني هذا التغيير الجذري؟
قلاع التجميع المحلي.. علامات كبرى تدخل خط الإنتاج
دخلت الدولة ثقلها التصنيعي في هذا الملف؛ حيث أعلنت شركة "إس إن أوتوموتيف" (SN Automotive) عن استعدادها لإطلاق أول سيارة كهربائية مجمعة محلياً بالكامل من داخل خطوط إنتاج شركة "النصر للسيارات" العائدة للواجهة بالتعاون مع "فاو" الصينية، وذلك خلال الربع الثالث من عام 2026 بمكون محلي مستهدف يصل إلى 70%.
وفي مسار موازٍ، تتحول مجموعة "منصور للسيارات" بقوة نحو التجميع المحلي؛ حيث ضخت استثمارات ضخمة لتأسيس مصانع تستهدف إنتاج سيارات احتراق داخلي وكهربائية لعلامة "MG"، مع مساعٍ ممتدة للحصول على وكالة "كاديلاك" الكهربائية بالسوق المصرية.
البنية التحتية للشحن وصناعة البطاريات.. تحدي "القلب التكنولوجي"
رغم انتشار محطات الشحن في المدن الكبرى والطرق السريعة عبر شركات مثل "إنفينيتي" و"شفت إي في"، يظل التخطيط لشبكة شحن تغطي كافة المحافظات تحدياً قائماً؛ إذ ترتبط جدوى السيارة الكهربائية بقدرة السائق على السفر دون قلق من نفاد البطارية.
وتواجه صناعة البطاريات (التي تمثل نحو 40% من تكلفة السيارة) معضلة استيرادية؛ فرغم بدء توطين مصانع الفلاتر والصناعات المغذية بمصر كخطوات تمهيدية، إلا أن الاعتماد على استيراد خلايا الليثيوم يضع السعر النهائي تحت رحمة تقلبات العملة الأجنبية.
شبكة الضواحي المنسية.. من يسد الفراغ في سوق قطع الغيار والورش؟
تظهر الفاتورة الحقيقية عند خروج السيارة من مظلة ضمان "الوكيل الرسمي"؛ فالورش الحرفية التقليدية في "الحرفيين" أو "صقر قريش" غير مؤهلة فنياً للتعامل مع منظومة الجهد العالي، وتأهيل هذه العمالة يحتاج لبرامج تدريبية ترفع من تكلفة الخدمة لاحقاً.
أما سوق قطع الغيار فيعاني من احتكار الوكلاء أو مستوردي قطاع خاص محدودين للغاية، مما يجعل الحصول على أبسط المكونات الإلكترونية، أو الحساسات، أو الأنظمة البرمجية عملية مكلفة ومعقدة تتطلب فترات انتظار طويلة لعدم توفر "البديل التجاري" بالسوق.
معضلة شبكة الكهرباء.. فاتورة الطاقة البديلة ومصير "المستعمل"
يدور نقاش اقتصادي حول قدرة شبكة الكهرباء القومية على استيعاب الأحمال الإضافية عند تحول آلاف المركبات للشحن اليومي؛ ورغم أن تكلفة شحن بطارية سيارة اقتصادية بشواحن الـ DC السريعة تبلغ حالياً نحو 300 جنيه (وهو موفر مقارنة بالبنزين)، إلا أن نمو الأسطول قد يدفع لتغيير شرائح المحاسبة.
وفي الخلفية، يقف "سوق السيارات المستعملة" كعقبة كبرى؛ فالسيارة الكهربائية تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها لإعادة البيع بسبب المخاوف من تدهور حالة البطارية بمرور الوقت، وغياب آليات واضحة لفحص وتسعير البطاريات المستعملة محلياً حتى الآن.