الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
تأمين السفن تأمين السفن

فاتورة تأمين السفن العابرة للبحر الأحمر في قبضة "اليمن الجنوبي"

بينما تتصاعد ملامح رسم خارطة سياسية جديدة في اليمن مع بروز "انفصال الجنوب" بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني، مساء الجمعة 2 يناير الحالي، حيث جاء به الانفصال الفوري عن اليمن وتمديد مرحلة انتقالية تستمر عامين، وقال الزبيدي إن الإعلان الدستوري يُعد نافذًا فورًا في حال تعرّض شعب الجنوب أو أرضه أو قواته لأي اعتداء".

في هذه الأجواء، لم تبق التداعيات محبوسة داخل حدود البر اليمني، بل امتدت لتضرب عصب التجارة العالمية في مضيق باب المندب، فقد وضع هذا المشهد الجيوسياسي المعقد شركات التأمين أمام اختبار صعب: هل يؤدي ميلاد دولة مستقرة في الجنوب إلى تهدئة أعصاب "معيدي التأمين" في لندن؟ أم أن الانفصال سيكون شرارة لفرط عقد الاستقرار ودفع "أقساط مخاطر الحرب" إلى مستويات جنونية جديدة؟.

في هذا التحقيق، تفتح "عالم المال" ملف التأمين البحري المصري في مواجهة العواصف العالمية، حيث تتقاطع آراء الخبراء حول قفزات سعرية بلغت 300% وأخرى مرشحة للزيادة بنسبة 50% حال اندلاع ممارسات مسلحة جديدة باليمن، بين اعتماد كلي على معيدي التأمين العالميين، ومحاولات محلية لاقتناص تخفيضات عبر "الصندوق العربي لأخطار الحرب".

ترصد "عالم المال" كيف يتحكم "تقييم الخطر" في مسارات السفن العابرة للبحر الأحمر وكيف يرهن العالم استقرار أسعار التأمين بمدى قدرة السلطات القادمة في اليمن على لجْم الهجمات وتأمين الممر الملاحي الأهم دوليًا.

التأمين يتم بالتفاوض

وأفاد الدكتور شريف محسن، عضو اللجنة العامة للتأمين البحري، بأن شركات التأمين المصرية الأعضاء في الصندوق العربي لأخطار الحرب ستستفيد من اتفاقيات خفض أسعار التأمين، موضحًا أن أسعار التأمين ضد أخطار الحرب كانت قد شهدت ارتفاعات كبيرة بلغت 300% في بعض الأحيان، قبل أشهر قليلة.

شريف محسن

وأضاف لـ"عالم المال" أن التأمين على هذه الأخطار يتم بالتفاوض بين شركات التأمين المصرية ومعيدي التأمين العالميين، إضافة إلى "الصندوق العربي لأخطار الحرب" المتخصص، ويعتمد السعر النهائي على مهارة الشركات في التفاوض، مع الأخذ في الاعتبار أن السعر الأقل قد يؤثر على جودة الخدمة. 

وذكر أن المخاطر العالمية يتم تقييمها من قِبل "Joint War Committee" في لندن، حيث يقود نادي "Lloyd's" سوق التأمين البحري، وتقدم هذه المجمّعات العالمية والصندوق العربي إرشادات لتسعير المخاطر. 

وبيّن أن شركات التأمين المصرية تعتمد بشكل كبير على شركات إعادة التأمين العالمية مثل "Munich Re" لتأمين أجسام السفن الدولية، نظرًا لحاجتها لرؤوس أموال ضخمة وللطبيعة عالية الخطورة لهذه العمليات.

ارتفاع أسعار السوق

وصرح أحمد إبراهيم، خبير التأمين الاستشاري، أن أسعار التأمين البحري على السفن العابرة للمياه المصرية ارتفعت بنسب تتراوح بين 15% و30% خلال الأزمات الأخيرة في حوض البحر الأحمر، ووصلت إلى 65% في المناطق عالية الخطورة. وعزا ذلك إلى التوترات الجيوسياسية والتهديدات الأمنية في المنطقة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف إعادة التأمين العالمية والسياسات المتشددة لمعيدي التأمين. 

أحمد إبراهيم

وأضاف لـ"عالم المال" أن متوسط الزيادة في أسعار تأمين هياكل السفن قد وصل إلى نحو 30%، بينما ارتفعت أسعار تأمين البضائع بنسبة تصل إلى 45% خلال فترات التوتر السابقة.

وتوقّع إبراهيم، حال نشوب ممارسات مسلحة، ارتفاعًا تدريجيًا لأسعار السوق خلال العام الحالي بنسبة تتراوح بين 20% و25%، متوقعًا أن يبدأ بارتفاع أوّلي يتراوح بين 5% و10% في أسعار تأمين هياكل السفن، ومن 8% إلى 12% في تأمينات البضائع. 

كما توقع ارتفاع أسعار تأمين الأخطار الحربية بنسبة تتراوح بين 40% و50%، وتأمين البضائع بنسبة تتراوح بين 25% و30%، ذاكرًا أن المبادرات المصرية، مثل إطلاق منصة تأمين إلكترونية موحدة وتقديم برامج سداد ميسرة وخصومات للأساطيل والشركات المصرية، يمكن أن تعزز الثقة والتنافسية، وهو ما قد يساهم في نمو القطاع بنسبة 15% إلى 20% خلال العام الجاري.

مصر لا تتحكم بالأسعار

وأوضح إيهاب خضر، وسيط التأمين وخبير الإدارة الإستراتيجية، أن مصر ليس لها علاقة بتسعير وثائق التأمين البحري، مؤكدًا أن "التسعير" يعتمد بشكل أساسي على معيدي التأمين العالميين وليس على شركات التأمين المحلية. 

إيهاب خضر

وصحح خضر المغالطة الشائعة بأن مصر تتحكم في أسعار التأمين البحري، مبينًا أن شركات التأمين المحلية لديها فقط "حد احتفاظ" معين من خطر التأمينات يتراوح بين 0.25% إلى 15% أو أكثر، وما يجاوز هذا الحد يعود إلى معيدي التأمين العالميين.

وأضاف لـ"عالم المال" أن جميع شركات التأمين، بما فيها المصرية، تخضع للشروط التي يفرضها معيدو التأمين العالميون بناءً على تقييمهم للأخطار، بينما تتأثر أسعار الأقساط مباشرة بزيادة الأخطار؛ فإذا صُنفت منطقة ما كـ"منطقة خطر "(Red Zone)، تتجاوز نسبة وقوع الخطر فيها 50%، مما يؤدي إلى زيادة نسبة الخسارة لتتجاوز 120%، وبالتالي يرتفع القسط التأميني. 

وذكر أن السفن التي ترفع العلم المصري أو التي بها شريك مصري هي فقط التي يمكن أن تغطيها شركات التأمين المصرية، أما السفن الأخرى العابرة لقناة السويس والبحر الأحمر فتخضع لتأمين دولي.

سيناريوهات متوقعة 

ورجحت سامية حيدة، نائب رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية لإعادة التأمين سابقًا والعضو المنتدب لشركة ويليس تاورز واتسون ري سابقًا، أن يؤدي انفصال اليمن إلى تأثير كبير، وإن كان معقدًا وغير متوقع، على أسعار تأمين السفن، مشيرة إلى أن ذلك يعتمد على طبيعة الانفصال وما سيعقبه من أحداث. 

وأضافت لـ"عالم المال" أن زيادة عدم الاستقرار والصراع الطويل قد يؤدي إلى استمرار ارتفاع مخاطر الحرب، حيث سيتلمس المؤمنون تهديدًا متزايدًا بشن هجمات أو اختطاف سفن أو اضطرابات أخرى للشحن، وقد تستمر العديد من شركات الشحن في تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد التكاليف وأوقات العبور.

سامية حيدة

وأوضحت أن الانفصال إذا أدى إلى تشكيل حكومة مستقرة ومعترف بها دوليًا في المناطق المتاخمة للبحر الأحمر، وكانت تلك الكيانات قادرة على ضمان الأمن البحري ومنع الهجمات، فمن المرجح أن تنخفض أسعار تأمين السفن، ما يؤدي إلى انخفاض الأقساط الخاصة بتغطية مخاطر الحرب.

وتابعت أن الانفصال قد يؤدي إلى زيادة التوترات بين الدول المجاورة فيما يتعلق بالأمن البحري، بينما ستؤثر نتيجتها على تقييم المخاطر من قبل شركات التأمين البحري.

وبيّنت أن أقساط التأمين البحري لعمليات العبور بالبحر الأحمر كانت قد تضاعفت بسبب هجمات الحوثيين، حيث ارتفعت من نحو 0.7% إلى 1% من قيمة السفينة، وهي زيادة حادة مقارنة بالمعدلات السابقة التي كانت تتراوح بين 0.05% إلى 0.3%. 

وأفادت بأن بعض شركات التأمين اتخذت نهج استبعاد مخاطر الحرب في البوالص المتعلقة باليمن، وإعادة معايرة نماذجها بناءً على عدم القدرة المتزايدة على التنبؤ باستهدافات الحرب بها، بينما تم تصنيف البحر الأحمر كمنطقة عالية المخاطر من قبل منظمات، مثل "لجنة الحرب المشتركة" التابعة لـ "لويدز" ومؤمني البحار في سوق لندن، ما سمح لهم بفرض أقساط إضافية.