الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
التأمين والناس التأمين والناس

التأمين ومعادلة الناتج المحلي.. نجاحات القطاع وكبواته في ربع قرن

كشف تحليل إحصائي أجرته "عالم المال"، من خلال استعراض بيانات قطاع التأمين في مصر للفترة من 2000-2001 إلى 2023-2024، أن سوق التأمين المصرية شهدت تحولًا جذريًا على مدار العقدين الماضيين، سواء من حيث استثمارات التأمين أو الأقساط المحصلة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مسار الناتج المحلي الإجمالي. 

في بداية الألفية، كانت استثمارات تأمين الحياة منخفضة نسبيًا عند نحو 7.1 مليار جنيه، بينما سجلت استثمارات تأمين الممتلكات 4.5 مليار جنيه، وكان الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 360 مليار جنيه، وقد عكس هذا المستوى مرحلة نمو متواضع لسوق التأمين، مع تركز تأثيره المباشر على الاقتصاد في حدود محدودة.

ومع مرور السنوات، بدأ قطاع التأمين في التوسع بوتيرة متسارعة، إذ ارتفعت استثمارات تأمين الحياة تدريجيًا إلى 16.6 مليار جنيه في 2011-2012، واستثمارات تأمين الممتلكات إلى 22.1 مليار جنيه، بينما سجل الناتج المحلي الإجمالي لذات السنة المالية نحو 1.67 تريليون جنيه، ما يوضح علاقة تكاملية بين نمو مستحقات التأمين والنشاط الاقتصادي العام. 

وبرز بشكل خاص دور أقساط تأمين الحياة، التي ارتفعت من نحو 500 مليون جنيه في 2000-2001 إلى أكثر من 6 مليارات جنيه في 2011-2012، في حين نمت أقساط تأمين الممتلكات لتصل إلى نحو 4.5 مليار جنيه، ما يعكس تصاعد الوعي التأميني وتزايد الطلب على أدوات الحماية المالية.

وكانت المرحلة التالية، الممتدة من 2013-2014 إلى 2020-2021، التي شهدت قفزات نوعية في أرقام السوق، مع صعود استثمارات تأمين الحياة من 20.2 مليار جنيه إلى أكثر من 51.5 مليار جنيه، واستثمارات تأمين الممتلكات من 28.4 مليار جنيه إلى نحو 79.9 مليار جنيه، في حين ارتفعت أقساط تأمين الحياة من 7.5 مليارات إلى 22 مليار جنيه، وأقساط تأمين الممتلكات من 6.2 مليارات إلى 24 مليار جنيه.

وبالمقابل، سجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا ملموسًا من 2.13 تريليون جنيه في 2013-2014 إلى 6.34 تريليون جنيه في 2020-2021، ما يعكس بوضوح قدرة سوق التأمين على تعزيز النشاط الاقتصادي، ليس فقط من خلال توسيع قاعدة الاستثمارات، بل أيضًا عبر تعبئة المدخرات طويلة الأجل وتحويلها إلى استثمارات منتجة.

وفي السنوات الأخيرة، بين 2021-2022 و2023-2024، شهدت السوق طفرة استثنائية، حيث قفزت استثمارات تأمين الحياة من 93 مليار جنيه إلى 154.4 مليار جنيه، واستثمارات تأمين الممتلكات من 60.4 مليار جنيه إلى 143.8 مليار جنيه، في حين ارتفعت أقساط تأمين الحياة من 28.8 مليار جنيه إلى 37.5 مليار جنيه، وأقساط تأمين الممتلكات من 25.7 مليار جنيه إلى 51.3 مليار جنيه، وهو النمو الذي ترافق مع زيادة الناتج المحلي الإجمالي من 7.9 تريليون جنيه إلى 13.9 تريليون جنيه. 

ووفق تحليل "عالم المال" لتقارير وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، فإن الناتج المحلي الإجمالي لـ2024-2025 بلغ نحو 17.4 تريليون جنيه، قبل احتساب الضرائب والدعم ومعدلات التضخم.

وبتحليل بيانات قطاع التأمين، ناهزت أقساطه مجتمعة 107.906 مليار جنيه بنهاية العام المالي السابق 2024-2025، حيث استحوذ النصف الأول على نحو 51.1 مليار جنيه، بينما جاء نصيب أقساط النصف الثاني بنحو 58.958 مليار جنيه، لقطاعي الممتلكات والحياة بنشاطيه التجاري والتكافلي.

وقد تناول التحقيق الحالي السنوات من 2000-2001 وحتى 2023-2024، اعتمادًا على البيانات الرسمية الصادرة عن "الرقابة المالية"، والتي كان آخرها التقرير الخاص بـ2023-2024.

وعلى عموم القول، فإن السوق شهدت تحوّلًا تدريجيًا من مرحلة نمو محدود إلى قوة اقتصادية مؤثرة، حيث أدت الاستثمارات الذكية في الممتلكات والأقساط المرتفعة لتأمين الحياة إلى زيادة نشاط القطاع وتأثيره على الاقتصاد الكلي.

إلا أن استثمارات تأمين الحياة وأقساط تأمين الممتلكات، رغم نموها، لم تحقق نفس درجة التأثير المباشر على الناتج المحلي الإجمالي، ما يشير إلى أهمية توجيه استثمارات القطاع نحو القطاعات الاقتصادية "المنتجة" لتحقيق أقصى أثر على التنمية.

وشمل التحليل الإحصائي الذي أجرته "عالم المال" جميع شركات تأمين الممتلكات العاملة في السوق المصرية، إلى جانب شركات تأمينات الحياة بفرعي القطاع "التجاري" و"التكافلي".

وقيّم التحليل مستحقات التأمين باعتبارها أحد المكونات المؤثرة في النشاط الاقتصادي، من خلال 4 متغيرات رئيسة، هي: استثمارات تأمين الحياة، واستثمارات تأمين الممتلكات، وأقساط تأمين الحياة، وأقساط تأمين الممتلكات، بينما جرى استخدام الناتج المحلي الإجمالي، مقاسًا بالتريليون جنيه، كمؤشر للنمو الاقتصادي المصري.

وأظهرت النتائج أن سوق التأمين لا يعمل فقط كقطاع خدمي، بل يلعب دورًا اقتصاديًا مباشرًا، إذ ثبت وجود ارتباط إيجابي بين استثمارات تأمين الممتلكات وأقساط تأمين الحياة من جهة، والناتج المحلي الإجمالي من جهة أخرى، في حين لم تُظهر استثمارات تأمين الحياة وأقساط تأمين الممتلكات التأثير الإحصائي نفسه على النمو.

قوة هذه النتائج لا تعود فقط لطول الفترة الزمنية التي تناولها تحليل "عالم المال"، وإنما أيضًا لقوة النموذج الإحصائي المستخدم، إذ نجح نموذج الانحدار في تفسير نحو 99.8% من التغيرات في الناتج المحلي الإجمالي، وتعني هذه النتيجة أن تطور سوق التأمين في مصر كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحركة النمو الاقتصادي، لدرجة أن متغيراته فسّرت تقريبًا كل التغيرات التي طرأت على الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من 2000-2001 وحتى 2023-2024.

ويعكس هذا الارتباط أن بعض مكونات النشاط التأميني، وليس جميعها، تتحول فعليًا إلى محركات للنمو، خاصة تلك المرتبطة بالاستثمار طويل الأجل وحماية الأفراد، وهو ما يفسر الوزن النسبي الأكبر لتأمين الممتلكات وأقساط تأمين الحياة في دعم الناتج المحلي.

وذلك ما يدفع للتساؤل: لماذا تؤثر بعض نتائج أنشطة التأمين دون غيرها في الناتج المحلي الإجمالي؟ 

جمال شحاتة، نائب العضو المنتدب لشركة إسكان للتأمين سابقًا، قال إن استثمارات تأمين الممتلكات تؤدي دورًا في دعم النمو الاقتصادي، لارتباطها المباشر بتمويل الأنشطة الإنتاجية والاستثمار في السندات والأسهم والعقارات، وهو ما يخلق دورة اقتصادية نشطة، كما أن أقساط تأمينات الحياة تعكس قدرة القطاع على تعبئة المدخرات طويلة الأجل، وتحويلها إلى استثمارات تدعم الاستقرار المالي والنمو المستدام.

وأضاف أن ضعف أداء استثمارات تأمين الحياة وأقساط تأمين الممتلكات قد يعكس طبيعة توظيف تلك الموارد أو محدودية كفاءتها الاستثمارية خلال بعض الفترات، بما يقلل من أثرها المباشر على الناتج المحلي.

لا بد من سياسات أكثر شمولًا

أما باسمة مندور، نائب رئيس قطاع القناة بشركة ثروة للتأمين، فترى أن النتائج المتوصل إليها تضع قطاع التأمين في قلب النقاش حول أدوات دعم النمو الاقتصادي في مصر، خاصة في ظل الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل وتعزيز الاستقرار المالي. 

وأوصت بضرورة تبنّي الحكومة سياسات تأمينية أكثر شمولًا، وتوسيع نطاق تطبيق وثائق التأمين، مع تعزيز المزايا التي تعود على الأفراد، بما يرفع الطلب الحقيقي على منتجات التأمين.

كما ذكرت أهمية اتخاذ إجراءات حكومية لتحسين عوائد استثمارات شركات التأمين، بما يضمن تعظيم دورها في تمويل الاقتصاد الحقيقي، بدلًا من حصرها في أطر استثمارية محدودة الأثر.

على شركات التأمين الانتباه

بينما حمّل الدكتور علاء العسكري، أستاذ التأمين بجامعة الأزهر، على الجانب الآخر، شركات التأمين مسئولية إعادة توجيه محافظها الاستثمارية نحو قطاعات متنوعة وأكثر إنتاجية، بما يزيد من دخلها الاستثماري، ويعزز قدرتها على الوفاء بالتزامات تسوية المطالبات. 

وبيّن أن ضعف الأثر الاقتصادي لبعض استثمارات تأمين الحياة يكشف أن جزءًا من أموال حملة الوثائق لا يُدار بأقصى كفاءة ممكنة، إذ إن التركيز على أدوات استثمار منخفضة المخاطر قد حمى المراكز المالية للشركات، لكنه حدّ من دورها التنموي، كما أن نمو الأقساط سريعًا يسبق في بعض الأحيان تطورًا مماثلًا في إدارة المخاطر والحوكمة الاستثمارية.

كما لفت إلى أهمية نشر الوعي التأميني بأسلوب مبسط وسهل الفهم، يخاطب مختلف المستويات التعليمية والثقافية، ويحوّل التأمين من منتج نخبوي إلى أداة حماية مجتمعية واسعة.

أين نجح القطاع وأين تعثر؟

وقال الدكتور حازم حسانين، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، إن الأرقام تشير إلى أن سوق التأمين في مصر انتقلت من نشاط هامشي إلى شريك فعلي في النمو الاقتصادي، خاصة مع الارتباط الإيجابي بين استثمارات تأمين الممتلكات وأقساط تأمين الحياة والناتج المحلي الإجمالي.

وأشار إلى أن قدرة القطاع على تعبئة مدخرات طويلة الأجل قد ساعدت على تخفيف الضغط على التمويل الحكومي والمصرفي، وهو دور حيوي في اقتصاد يعاني فجوة تمويل مزمنة، مبينًا أن التوسع السريع في السوق خلال السنوات الأخيرة يتماشى مع مرحلة توسع اقتصادي عام، ما يعني أن التأمين لم يكن منعزلًا عن دورة النشاط الاقتصادي.

وفي المقابل، ذكر أن نمو سوق التأمين ظل غير متوازن اقتصاديًا؛ مبينًا أن بعض مكونات السوق تضخمت اسميًا دون أن تُحدث الأثر نفسه على الناتج المحلي، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة تخصيص الموارد، حسب وصفه، مضيفًا أن جزءًا من الاستثمارات التأمينية لم يتحول إلى قيمة مضافة حقيقية، وبقي أقرب إلى توظيفات مالية دفاعية لا تخدم النمو طويل الأجل، ذاكرًا أن الاعتماد المتزايد على النمو "الاسمي" في ظل التضخم المرتفع قد يُخفي ضعف الأثر الفعلي عند القياس بالقيم الحقيقية.